كان هناك بلدٌ غنيّ بالثروات، عريقٌ في حضارته، اسمه العراق. لكن في فصوله الدراسية، كانت الطاولات تنتظر كتبًا لا تصل، وحقائب التلاميذ تمتد عامًا بعد عام وهي تحمل فراغًا يُسمّى منهجًا... وفسادًا يُسمّى عقدًا.
في القرى الجنوبية، والمدن الشمالية، وحتى في قلب العاصمة، يتكرر المشهد: معلم يشرح بلا وسيلة، وطالب يكتب على ورق ممزّق، وأب ينتظر كتابًا لم يُطبع بعد. وفي الجهة المقابلة من العالم، وفي قلب إفريقيا، كان هناك بلد خرج لتوّه من حرب أهلية: رواندا.
رغم رماد الحرب، قررت رواندا أن تبني جيلًا لا يحمل بندقية، بل يحمل جهازًا لوحيًا. في جبالها الخضراء، كان التلاميذ يتصفحون دروس الرياضيات على أجهزتهم الصغيرة، يبتسمون كما لو أنهم يمسكون بالمستقبل بين أيديهم. كتاب واحد، جهاز واحد — هكذا لخّصت رواندا معركتها مع الجهل."
هل يمكن للعراق - الذي يتمتع بموارد مالية أكبر بكثير - أن يُحذو حذو رواندا؟
رغم أن ناتجه المحلي الإجمالي يفوق 190 مليار دولار، يعاني العراق من ضعف شديد في البنية التحتية التعليمية، إذ تشير بيانات البنك الدولي إلى حاجته إلى أكثر من 8,000 مدرسة جديدة. العديد من المدارس تعمل بثلاث فترات ويسجل فيها طلاب أقل من أربع ساعات يوميًا بسبب نقص المباني والكهرباء والمعلمين المؤهلين. وفي المقابل، أنفقت رواندا بنية تحتية متواضعة نسبياً لتعزيز التحول الرقمي التربوي، بدلاً من الطباعة الورقية المكثفة.
كل عام، تُغيَّر المناهج لا من أجل جيلٍ يفهم، بل من أجل طبعة جديدة، وصفقة جديدة لتمساحٍ سمين يعرف الجميع اسمه ونَسَبه. فالمعرفة تُختزل في ورق ممهور بالفساد، لا في رسالة تربوية.
في دول مثل إستونيا، طُوّرت منذ عام 2002 بوابات رقمية تربط الطالب وولي الأمر والمدرسة في شبكة واحدة شفافة. وفي كوريا الجنوبية، استُخدم الذكاء الاصطناعي لتكييف المادة وفق قدرات الطالب. حتى كينيا، ذات الدخل المحدود، ابتكرت طريقة لإرسال الدروس عبر الرسائل النصية عندما غاب الإنترنت. أما في العراق فما زال الجدل يدور حول "متى تُسلَّم الكتب"، لا "كيف تُعلَّم العقول".
ورغم الميزانيات الضخمة التي تُرصد سنويًا، فإن النتائج على الأرض تكشف عن فشل متكرر في التوزيع، وغياب للرقابة، وتغوّل للمصالح الخاصة على حساب المصلحة العامة. المشكلة ليست في نقص الموارد، بل في غياب الإرادة السياسية لإصلاح منظومة تُدار بمنطق المحاصصة لا الكفاءة.
ملف طباعة الكتب في العراق من أكثر الملفات فسادًا وإثارة للجدل، بحسب تقارير لجان برلمانية وهيئات رقابية. فبدل أن تكون المناهج أداة لبناء العقول، تحولت إلى وسيلة للربح السياسي والمالي. تُغيَّر المناهج بشكل شبه سنوي دون مبررات تربوية واضحة، فقط لتبرير إعادة الطباعة بعقود ضخمة تُمنح لشركات مرتبطة بشخصيات نافذة.
هذا التلاعب لا يقتصر على الهدر المالي، بل ينعكس مباشرة على الطالب العراقي: الكتب تصل متأخرة حتى منتصف العام الدراسي، العملية التعليمية تُربك، والأهالي يُجبرون على شراء نسخ تجارية بأسعار مرتفعة. بل إن بعض الكتب تُعدَّل تعديلات طفيفة — حذف فقرة أو إضافة سطر — فقط لإلغاء صلاحية النسخ القديمة، في ممارسة تُظهر كيف يتغلغل الفساد حتى في أبسط أدوات المعرفة.
برنامج "كتاب واحد، جهاز واحد" لا يتطلب بنية تحتية فائقة التعقيد. يقوم على توزيع أجهزة لوحية منخفضة التكلفة، مُحمَّلة مسبقًا بمكتبات إلكترونية محلية، مع إمكانية ربطها لاحقًا بالإنترنت للتحديث والدعم. في العراق، يمكن لوزارة التربية أن تتبنى هذا النموذج تدريجيًا، بدءًا من المناطق الريفية أو المحرومة من الكتب، وبشراكات مع منظمات مثل اليونسكو واليونيسف أو شركات التكنولوجيا.
وبدل الطباعة السنوية المكلفة، يمكن تحويل ميزانية الكتب إلى تمويل محتوى رقمي تفاعلي يُحدَّث بسهولة، ويواكب المعايير التعليمية الحديثة. كما أن هذه الأجهزة تساعد الطلبة على اكتساب مهارات رقمية مبكرة، وتقليص الفجوة التكنولوجية التي يعاني منها الشباب العراقي.
العراق بحاجة إلى تحويل بنيته المؤسسية إلى نظام خدمة عامة حقيقية، لا إلى سوق فساد منظّم. يجب أن تُبنى الدولة على أسس العدالة والمعرفة، لا على المولات والمطاعم التي تُخفي الجدران المتصدعة. الإصلاح ممكن إذا توفرت إرادة سياسية، لا باستنساخ "تمساح" فاسد جديد.
فالتحوّل الرقمي لم يعد خيارًا، بل ضرورة وجودية. إنه ليس "ترندًا"، بل واقع فرض نفسه على الجميع بلا استئذان. فإما أن تتطور… أو تتحول إلى متحف!