: آخر تحديث

افتراس السلطة

1
1
0

ليست كل أشكال الافتراس في الطبيعة مرتبطة بالجوع أو الحاجة إلى الغذاء، بل إن بعض الحيوانات تلجأ إلى أكل بني جنسها كوسيلة لإثبات الهيمنة وترسيخ السلطة داخل الجماعة، هذه الظاهرة تُعرف في الدراسات السلوكية باسم الافتراس بدافع السيطرة، وهي تكشف جانبًا مظلمًا من معادلة البقاء للأقوى، فالأسود مثلًا، حين يسيطر ذكر جديد على زمرة، يبدأ بقتل الأشبال التي أنجبها الذكر السابق، وأحيانًا يلتهمها، وبهذا يضمن القضاء على نسل منافسه ويجبر الإناث على الدخول في دورة تناسلية جديدة تثمر ذريته هو فقط، إنها ممارسة قاسية لكنها تُكرّس سلطته المطلقة على الجماعة.

وفي عالم القردة العليا، كالغوريلا والشمبانزي، يتكرر المشهد، فالذكر المهيمن قد يهاجم صغار خصومه أو يأكلها، ليس بدافع الجوع، بل لإرسال رسالة واضحة: أنا الزعيم ولا مكان لمنافسين، حتى الكائنات الصغيرة مثل الفئران تُظهر سلوكًا مشابهًا، إذ قد يقتل الفرد الأقوى الصغار أو الأفراد الأضعف في المستعمرة ليقلل من عدد المنافسين المحتملين على الغذاء والمكان، أما الطيور مثل الدجاج، فهي تعيش ضمن نظام اجتماعي صارم يعرف بـ"سلم النقارة"، وحين يبلغ الصراع ذروته قد تنتهي المنافسة بافتراس داخلي، كذلك تفعل بعض الزواحف كالتماسيح والسحالي الكبيرة التي تلتهم الصغار أو الأفراد الأضعف لتؤكد هيمنتها.

هذه السلوكيات لا تُفهم دائمًا بمعايير الإنسان، لكنها تحمل دلالة بيولوجية عميقة، فهي استراتيجية تطورية يضمن من خلالها القوي استمرار سيادته، حتى وإن كان الثمن هو افتراس بني جنسه. هكذا تكتب مملكة الحيوان قوانينها: حيث السيطرة قد تُثبت أحيانًا بالدم لا بالرحمة، لكن المثير للانتباه أن ما يجري في عالم الحيوان له انعكاسات تكاد تتطابق مع سلوك الإنسان حين يتلبس هوس السلطة، فالتاريخ السياسي للبشر حافل بنماذج مشابهة، حيث يتحول الأخ إلى خصم لأخيه، ويغدو ابن العم عدوًا لابن عمه، ويستسهل الابن إقصاء والده أو سجنه أو حتى قتله، فقط من أجل كرسي الحكم.

لم يكن قابيل أول من رفع يده على أخيه، بل ظلّت الحكاية تتكرر في قصور الملوك والسلاطين والخلفاء عبر العصور، نقرأ عن إخوة يتنازعون على العرش، فيلجأ الأكبر إلى قتل الأصغر، أو يسجن الأب أبناءه كي يضمن انتقال السلطة إلى نجله المفضل دون غيره، ففي الدولة العباسية مثلًا، وفي السلطنة العثمانية، وفي ممالك أوروبا القرون الوسطى، يتكرر المشهد: أبناء يتآمرون على آبائهم، وإخوة يذبحون إخوتهم، وأعمام يقتلون أبناء إخوتهم خشية أن ينازعوهم العرش، إنها ليست مجرد قصص في كتب التاريخ، بل شواهد دامغة على أن السلطة حين تتحول إلى غريزة افتراس، فإن الدماء والأرحام تصبح وقودًا لها.

وما أشبه الليلة بالبارحة!

ففي عالم السياسة المعاصر، ما زلنا نشاهد صورًا شبيهة، وإنْ بأدوات أكثر حداثة، فالصراع على المناصب، والانقلابات العسكرية، وتصفية الخصوم داخل الحزب أو العائلة الحاكمة، كلها امتدادات لذلك الإرث البيولوجي والنفسي العميق، الفرق الوحيد أن سكاكين اليوم قد صارت بيانات واغتيالات سياسية وانقلابات إعلامية، لكنها تحمل الروح نفسها: افتراس الآخر لإقصائه من دائرة النفوذ.

إنه قانون غير معلن لكنه نافذ: حين تصبح السلطة أغلى من الأخوة والدم والصداقة، فإن الإنسان لا يتورع عن أن يتحول إلى مفترس مثل الحيوان، وربما أشد ضراوة منه، والفارق أن الحيوان يمارس ذلك بوازع بيولوجي صرف، بينما يمارسه الإنسان تحت شعارات مُنمّقة عن الشرعية، والمصلحة العليا، وحماية الدولة، وهكذا، يظل افتراس السلطة أحد أعمق القواسم المشتركة بيننا وبين مملكة الحيوان، مع اختلاف القناع فقط.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.