: آخر تحديث

زنغزور… حيث تتقاطع القوافل والمدافع

1
1
1

في 8 أغسطس 2025، شهد البيت الأبيض بواشنطن توقيع اتفاق تاريخي بين أذربيجان وأرمينيا، بوساطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وحضور الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان. الاتفاق يقضي بإنشاء ممر استراتيجي يمتد من أراضي أذربيجان إلى جمهورية نخجوان عبر الشريط الجنوبي لأرمينيا، ليكمل طريقه إلى الأراضي التركية ومنها إلى أوروبا. هذا الممر، الذي يمر عبر منطقة زنغزور الحساسة، يشكل جزءًا من مشروع الممر الأوسط الهادف إلى ربط آسيا الوسطى بالقارة الأوروبية دون المرور بالأراضي الإيرانية أو الروسية. في الحقيقة، لم يكن هذا الاتفاق حدثًا عابرًا في روزنامة السياسة الإقليمية، بل محطة فارقة يمكن أن تعيد تشكيل خرائط النفوذ وخطوط التجارة في القوقاز.

ومن هنا يطرح السؤال، ما الذي سيجنيه القوقاز وأوروبا والعالم من هذا الممر، وما المخاطر التي قد تعترضه إذا قررت إيران عرقلته، وكيف سيكون رد واشنطن إذا تعرضت شركة أمنية أمريكية مسؤولة عن حمايته لهجوم مباشر؟ أعتقد أن الإجابة تكمن في فهم أبعاد المشروع باعتباره مشروعًا اقتصاديًا واستراتيجيًا في آن واحد، يجمع بين وعود التنمية ومخاطر التصعيد.

فمن الناحية الاقتصادية، الممر ليس مجرد طريق للنقل، بل مشروع متكامل يضم مرافق لوجستية ومراكز جمركية ومناطق خدمات تجارية وصناعية، قادرة على تحفيز قطاعات حيوية في القوقاز. ووفق ما أُعلن، ستتولى شركة أمنية أمريكية مرخّصة حمايته، مزودة بصلاحيات كاملة لاستخدام القوة والاشتباك الفوري مع أي تهديد، إلى جانب تنسيق مباشر مع الأجهزة المحلية ونشر نقاط تفتيش ثابتة ودوريات متحركة. ومن وجهة نظري، فإن وجود مثل هذه الشركة ليس مجرد عنصر أمني، بل هو رسالة سياسية واقتصادية في آن واحد، لن يُترك هذا الممر لمصير مجهول أو لابتزاز القوى المعطلة.

وبلا شك، فإن المكاسب الاقتصادية التي يمكن أن يوفرها هذا الممر تتجاوز حدود القوقاز. بالنسبة لأذربيجان وأرمينيا، هو فرصة لإعادة التموضع في خارطة التجارة العالمية، والانفتاح على أسواق أوروبا وآسيا الوسطى. أما بالنسبة لأوروبا، التي تسعى منذ سنوات لتقليل اعتمادها على مسارات الطاقة والنقل التقليدية، فإن هذا الممر يمثل شريانًا جديدًا للأمن الاقتصادي. في الحقيقة، التجربة الأوروبية مع أزمة الطاقة بعد حرب أوكرانيا جعلت فكرة تنويع المسارات ليست ترفًا، بل ضرورة استراتيجية تمس أمن القارة الاقتصادي والسياسي.

ويرى المراقبون أن هذا الممر، إذا ما اكتمل واستقر، سيضعف النفوذ الإيراني بشكل ملحوظ، لأنه يعزلها جغرافيًا عن أحد أهم مسارات العبور الإقليمية، ويحرمها من أوراق ضغط استخدمتها لعقود. وهذا العزل ليس مجرد خسارة اقتصادية، بل هو تراجع في قدرة طهران على التأثير في توازنات الإقليم، خاصة في منطقة القوقاز التي طالما حاولت أن تبقى لاعبًا رئيسيًا فيها.

ولا يخفى أن التصعيد الإيراني، إذا ما تُرجم من دائرة التصريحات والمناورات إلى فعل ميداني، قد يضع الممر أمام أول اختبار أمني حقيقي. وفي هذا السياق، إذا تعرضت الشركة الأمنية الأمريكية العاملة على حماية الممر لهجوم مباشر، فإن رد الفعل الأمريكي سيكون اختبارًا لمصداقية واشنطن في حماية استثماراتها وحلفائها. التجارب في العراق وسوريا تشير إلى أن الرد غالبًا ما يكون محسوبًا، عبر ضربات دقيقة ضد وكلاء إيران وبناهم التشغيلية، لتثبيت الردع دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. ومع ذلك، أرى أن هجومًا كبيرًا يسفر عن خسائر أمريكية فادحة سيدفع الإدارة الأمريكية، حتى في ظل ضغوط داخلية لعدم التصعيد، إلى رد نوعي قد يشمل استهداف قيادات ميدانية أو مواقع مرتبطة بالحرس الثوري.

أما فكرة إقامة قاعدة عسكرية أمريكية دائمة في أرمينيا كرد على تهديدات محتملة، فتبقى، كما أعتقد، خيارًا أقل ترجيحًا، لأن القاعدة ستكون هدفًا ثابتًا سهل التهديد، كما هو الحال في القواعد الأمريكية بالعراق التي تتعرض لضربات متكررة. والأرجح، كما يرى المراقبون، أن تعتمد واشنطن على شبكة انتشار موزعة، ونقاط حماية صغيرة، وقوات رد سريع من مواقع إقليمية، مدعومة بأنظمة دفاع جوي متنقلة، وهو نموذج يمنح مرونة أكبر ويقلل من فرص استهداف المشروع بشكل مباشر.

وفي المشهد الأشمل، أرى أن الممر ليس مجرد مشروع نقل، بل اختبار لقدرة التنمية على الانتصار على معوقات الجغرافيا السياسية. نجاحه سيعني استقرارًا أمنيًا واقتصاديًا في منطقة طالما كانت عقدة للتوتر، وتحولها إلى جسر حقيقي بين الشرق والغرب، أما فشله، فسوف يعزز خطاب القوى المعطلة بأن المشاريع الكبرى لا يمكن أن تنجو في بيئة إقليمية متقلبة. وفي النهاية، بلا شك، فإن مصير هذا الممر سيتوقف على إرادة الأطراف في حمايته، وقدرتهم على تحصينه من رياح السياسة قبل أن يكتمل رصفه بالإسفلت.

إن الممر الذي يُراد له أن يكون جسرًا للتجارة بين القارات، قد يتحول إلى جسر اختبار لإرادات الدول، فإما أن تعبر عليه قوافل التنمية في وضح النهار، أو تعبر فوقه رياح الصراع في ظلام السياسة. والتاريخ، في الحقيقة، لا يرحم من أضاع فرصته حين مرّت من أمامه، لأن الجغرافيا قد تمنحك الممر، لكن الإرادة وحدها هي التي تمنحك الطريق.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.