: آخر تحديث

الاتفاق المرتقب ومستقبل الجولان

9
8
7

يسود اعتقاد في أوساط واسعة من متابعي الوضع السوري، أن اللقاء الإسرائيلي-السوري المرتقب أواخر سبتمبر (أيلول) برعاية الولايات المتحدة، سيكون نقلة مفصلية في تاريخ الصراع الإسرائيلي-السوري. إذ سيتم خلاله توقيع اتفاق بين الطرفين، يفتح الباب نحو ذهاب عملي لتسوية على جبهة الجولان، تكون فاتحة إلى اتفاقية سلام وتطبيع علاقات.

غير أن مثل هذا الاعتقاد لا يخلو من تفاؤل في غير محله، وتبشير بمرحلة لا تلوح آفاقها في مستقبل قريب، ليس بسبب رغبات الطرفين المعنيين بالصراع والتسوية، ولا بموقف الطرف الأميركي الراعي، بل بسبب إرث طويل من الصراع، فيه كثير من التعقيدات التي ستحتاج إلى كثير من جهد ووقت حتى تتم معالجتها.

لعل المؤشر الأهم على الصعوبات القائمة، يبدو فيما يحيط بالاجتماع المقبل من وقائع ومعطيات، ومثلها النتائج المتوقعة منه، التي أكد السوريون أنها ستكون خلاصتها اتفاقاً أمنياً، وهذه نقطة توافق بين كل الأطراف، لكن ما بعد ذلك فيه تفاصيل مختلفة عند كل طرف.

الاتفاق الأمني لدى السوريين يدور قريباً من اتفاق فصل القوات الذي وقعه الطرفان في عام 1974، واقتصر على ترتيبات متبادلة على جانبي الحدود، دون أن يمس ما بعدها سواء في اتجاه مرتفعات الجولان التي احتلتها إسرائيل، وطردت أغلب سكانها في عام 1967، أو في اتجاه الشريط الضيق من أرض سوريا الخاضع لسيادة سورية مقيدة السلاح، وهذا بعض ما يجعل السوريين يميلون إلى اتفاق أمني قريب، لا يبدل وضع الجولان باعتبارها أرضاً سورية محتلة، ولا يعترف أيضاً، بل يرغب في إنهاء الخروقات الإسرائيلية للحدود وما جرى من تغييرات في الأراضي السورية، خصوصاً التي تمت بعد 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024.

ويحيط الحذر الإسرائيلي بالاتفاق المرتقب، ويتجنب الإسرائيليون التعبير عن حقيقة موقفهم باستخدام عبارات عامة، يفهم منها الحرص على تفاوض يقود إلى اتفاق أمني، لا يكرس حضوراً إسرائيلياً وسيطرة واسعة في عموم الجنوب السوري فقط، بل يتناسى الجولان السوري المحتل، وإلغاء اتفاق فصل القوات لعام 1974، ويتجاهل اعتداءاته الأخيرة على الأراضي السورية، وما قام به فيها من تغييرات، وكله تحت ذريعة أمن إسرائيل وحمايتها، وهو العذر الذي سيبرر فيه لاحقاً، (كما كان دائماً) مطالبه لتوسيع حضوره ونفوذه في الجنوب السوري وامتداداته في أي مرحلة تفاوض مع السوريين وحول سوريا.

بين توافقين وتحفظات سورية وإسرائيلية، يظهر الموقف الأميركي في دعم التوصل إلى اتفاق، ليعطي صورة زاهية للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط، تتجاوز فشلها في عدم القدرة على التصدي لصلف إسرائيل في سوريا، وفشلها في وقف الحرب على غزة، والأهم في الصورة، أن يظهر الرئيس ترمب في دور «المؤثر والمتوازن» في تقريب الطرفين السوري-الإسرائيلي، اللذين كانا لوقت طويل، الطرفين الأهم في حلقات الصراع العربي-الإسرائيلي، وكان لعدم التوصل إلى أي اتفاق شامل بينهما، دور مؤكد في المواجهات المسلحة ودورات العنف في المنطقة، حتى في الجبهات غير المباشرة.

ويعيدنا ما يحيط باللقاء السوري-الإسرائيلي والرعاية الأميركية من خلفيات ووقائع، للوقوف عند خلاصات، لا ترسم حدود ما يتضمنه الاتفاق المنتظر من ترتيبات أمنية، يتم التوقيع عليها فحسب، بل التوقف عند أمرَين أولهما تأكيد الثوابت في واقع العلاقات السورية-الإسرائيلية سواء لجهة حقوق لا يمكن نكرانها؛ أبرزها أن الجولان أرض سورية محتلة، وأن ما تقوم به إسرائيل من أعمال في سوريا يمثل خروقاً للقانون الدولي، وأن إسرائيل تتجاهل ما سبق، وتصر على استخدام القوة في مساعي خلق وقائع جديدة، ثبت حتى الآن صعوبة تكريسها.

والأمر الثاني الذي تؤكده الحقائق والوقائع، أن حل الصراع السوري-الإسرائيلي ومثله الصراع العربي-الإسرائيلي على نحو ما هو مطلوب لن يتم تحقيقه، طالما لم تحدث تغييرات جوهرية في مواقف طرفي الصراع، ولا يكفي للسلام أن يقوم طرف واحد بتقديم تنازلات مهما بلغت، فإذا كان السلام هو المطلوب والهدف، فإن التنازلات ينبغي أن تكون متبادلة، لأن تنازلات طرف واحد لن تصنع السلام، بل ربما تساهم في تراكم نار تحت الرماد.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد