: آخر تحديث

قليلٌ من التأمّل والحزن لا يُضرّ باللبنانيّين

5
5
4

تتزايد الأسئلة، وهي كلّها واجبة الطرح، عن خطّة «حزب الله» ردّاً على تنفيذ حصر السلاح في يد الدولة اللبنانيّة. وتغيب الأسئلة، وهي أيضاً واجبة الطرح، عن أيّ الصِيَغ والتعاقدات السياسيّة سوف يرسو عليها لبنان ما بعد حصر السلاح. وفي هذه الغضون يبدو كثيرون ممّن يناهضون «الحزب» في حالة اصطهاج منقطع النظير: أفراح وليالٍ مِلاح تتخلّلها، في أحيان عدّة، احتفالات مطنطنة بكبار الضيوف الأجانب وبأنّ لبنان «راجع يتعمّر» كما تقول أغنية معروفة.

والحال أنّ الكثير من الكلام الذي يردّده كبار الضيوف الأجانب يكاد يكون ترجمة لتلك الأغنية إيّاها إلى الإنكليزيّة، وتحديداً إلى الأميركيّة. فنحن وضيوفنا نتبادل السلعة نفسها تبسيطاً انتصاريّاً واحتفالاً بالذات «الحضاريّة» الجامعة، إذ نحن كلّنا «نُشبه» بعضنا بعضاً.

أمّا النشوة التي تعصف بنا فلا تعطّل طرح الأسئلة الأساسيّة فحسب، بل تعطّل التمعّن الضروريّ بالمأساة ذات الأوجه المتعدّدة التي يغرق فيها اللبنانيّون. فأغلب الظنّ أنّ هناك، بعد تلك التجارب المُرّة التي امتدّت عقوداً، دروساً للتعلّم، ومراجعات لمواقف وأفكار وممارسات لا تزال تنتظر من يبدأها، إمّا منعاً لتكرار التجربة التي بدأت مع منظّمة التحرير الفلسطينيّة ووجدت تتويجها مع «حزب الله»، أو على الأقلّ كي نهيّء النفس لاحتمال صدمات قد تداهم تفاؤل المتفائلين المستعجلين، وهذا فيما المصاعب الكبرى، وأوّلها حصر السلاح بيد الدولة، لم تُذلّل حتّى اللحظة.

وفي أحسن أحوالنا، وهذا ما كانت الشعوب البدائيّة تعرفه، لا بدّ من لحظة حداد على انهيار وطنيّ، سياسيّ واقتصاديّ واجتماعيّ، لا نزال نقيم في قلبه ولم يتأكّد أنّنا خرجنا منه فعلاً. هكذا تعبّر الجماعات بالحِداد عن حزنها فتبكي وتُخرج الحزن من دواخلها، أو تحدّث الآخرين عمّا أصابها، أو تشاركهم قصص مآسيها، بحيث تجعل من حدادها طريقاً إلى الشفاء وترويض الألم، تماماً كما يكون عبور النفق طريقاً إلى الضوء.

على أنّ هذا الحزن النبيل، المتأمّل والمفكّر، لا يراود إلاّ القلّة. فالكثرة الكاثرة توّاقة إلى استئناف «الحياة»، «من دون أن تنسى شيئاً ومن دون أن تتعلّم شيئاً»، بحسب العبارة الشهيرة المنسوبة إلى تاليران عن المهاجرين من البوربون الفرنسيّين الذين عادوا في 1815 إلى بلادهم بعد 25 سنة من النفي والغياب.

فالفرح لا يكون مُستحَقّاً إن لم يسبقه، أو على الأقلّ يرافقه، حزن جليل ممزوج بالتمعّن. فهو، والحال هذه، يبدو فرحاً خفيفاً يطفو على سطح النفس وعلى هذا السطح يتبخّر.

فهناك جهد كبير مطلوب من المجتمع اللبنانيّ، وهناك توقّعات يُستحسن خفضها أو ضبطها. فإذا كان سلاح «حزب الله» أكبر الشرور إلاّ أنّه ليس الشرّ الأوحد. ذاك أنّ وحشاً خطيراً يقيم في نفوسنا «الأمّارة بالسوء» تنبثق منه نوازع الغلبة وامتناع التعايش، تماماً كما ينبثق التنازع الأهليّ واللجوء، مرّة بعد مرّة، إلى السلاح. وبعدما كانت إيران مصدر تمكين «حزب الله» وسلاحه وقوّته، وكانت حُجَّتنا في تفسير ما نحن فيه، باتت الحرب الأخيرة تضعنا أمام مسؤوليّات ذاتيّة ليس غيرنا مسؤولاً عنها.

وهناك تقليد ثقافيّ، يتجاوز لبنان وثقافته إلى المنطقة وثقافتها، قد يساعد في فهم استسهالنا للحلول. فلدينا سادَ ميل قويّ إلى تحبيذ الحصول على العوائد والمنافع من دون دفع الأثمان المتوجّبة أو حتّى التفكير فيها. فالخديوي اسماعيل الذي حكم مصر في ستينات القرن التاسع عشر وسبعيناته آثر أن تكون الاستدانة وسيلته لتحديث مصر. وفي الحقبة نفسها تقريباً كان ناصر الدين شاه القاجاريّ يحدّث بلاده فارس بالوسيلة ذاتها، مستديناً ومتنازلاً عن الأصول والأملاك الوطنيّة. ولاحقاً، في أواخر القرن الماضي، اتّبع رئيس الحكومة اللبنانيّ رفيق الحريري نهجاً مقارباً في تعمير بيروت.

وهناك من ردّ هذا الاستسهال إلى ضعف ثقة بعيد بالذات وبالداخل، سببُه أنّ صناعة القرار تأتينا، منذ الحملة الفرنسيّة على مصر، من الآخر والخارج. وثمّة من ذهب أبعد، فرأى أنّ حكّام مدننا وقُضاتها، في العهد العثمانيّ، كانوا سواء بسواء يفدون إليها من اسطنبول. والأهمّ أنّ السكّان، الذين لم ينتخبوا ممثّليهم، لم يكونوا، هم أنفسهم، حُماة مدنهم وأريافهم من الأخطار المحدقة، فكان يتولّى المهمّة الفرسان الإقطاعيّون، أو السباهيّون، ممّن تُمنح لهم، لقاء توفير الحماية، أراضٍ عُرفت بالتيمارات، وهذا قبل أن يُعهد بالأمر إلى نظام الالتزام والملتزمين من غرباء عن البلاد المعنيّة.

واليوم لا نستطيع أن نمضي على هذا النحو محتفلين ومستسهلين. ذاك أنّ ما ينتظرنا قد لا يقلّ عن إعادة بناء ذاتيّ من صفرٍ، وإعادة نظر في علاقات الجماعات اللبنانيّة واحدتها بالأخرى، ناهيك بالإشكالات المعقّدة التي يطرحها التعويل على الخارج حيث تختلط الفوائد بالأكلاف. وبعض ما يستوجبه هذا أن لا يسبق الاحتفالُ الانتصارَ، وأن لا يكون أكبر منه. أمّا أن يستقيل القلق والحذر والتفكير ورؤية المصاعب التي على الطريق فوصفةٌ لدمار مؤكّد.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد