"لو سكت أهل الحق عن بيان الباطل لظن أهل الباطل أنهم على حق"
إذا كان الوهم والإيمان به يأتي في إطاره الضيِّق ولا يضر الموهوم بما يؤمن به الناس من حوله، فمرتبة هذا الواهم بمنزلة مدمنٍ ماكثٍ في حجرته لا يشتكي منه أحد غير أهله إن وجدوا إضافةً إلى بدنه، أما عندما يكون في متناول المدمن سلاحاً فتاكاً فلا شك بأن خطره عندئذٍ لن يبقى محصوراً في إطار الأسرة وحدها، إنما سيغدو موضع تهديدٍ دائم لعامة الناس، وهو ما يدعو المجتمع آنئذٍ إلى وضع حدٍ له قبل أن يُلحق الأذى بالمارة من الأقارب أو الأباعِد.
وحيال خطر السماح لأي شخصٍ كان بأن يعتلي المنابر ويُدلي بكل ما يخطر على باله، ويتهجم على هذا وذاك، ومن ثم يروِّج لأفكاره وسياسة تنظيمه، تذكر الإعلامية الأمريكية أوبرا وينفراي في سيرتها الذاتية أنها من خلال برنامجها" أوبرا وينفراي" الذي صار وقتئذٍ يذاع وطنياً في أكثر من 135 محطة تلفزيونية، كانت تسمح لكل التيارات المجتمعية بالتعبير عن رأيها في المواضيع الحسَّاسة، إلاَّ أنها في عام 1985 عندما حاورت جماعة عنصرية كانت تدعى الكو كلوكس كلان (the ku klux klan)، وهي جماعة معادية للسود ولليهود وللأقليات، ففي البداية حافظت أوبرا على هدوء أعصابها ولكن عندما بدأت النساء اللواتي تجري أوبرا معهن الحوار بنشر فلسفة حزبهن المتطرف من خلال برنامجها هي، فقررت من لحظتها بألَّا تفتح أبوابها أمام المتطرفين أبداً في المستقبل. وهذا الموقف الذي اتخذته أوبرا مع المتطرفين في بلدٍ بمثابة كعبة الليبرالية كان على حكومة الاقليم اتخاذه منذ زمن بعيد مع الضيوف الذين يسيؤون للاقليم ليس عن بُعد فحسب، إنما وهم ضيوف فيها وزوّار مؤسساتها وهم يرشقونها بنبال البغض من خلال فضائياتها.
وبدهي أننا هنا لسنا في وارد اقتراح قمع حرية الرأي والتعبير، وبالتالي حرمان الناس من النقد وإبداء الملاحظات عن كل ما يرونه من المقابح والأخطاء والعثرات في الاقليم، ولسنا في وارد تقديم النصح والإرشاد والتوصيات لتلك الحكومة، إنما نرى بأنه ليس من الظُّلم التعامل على طريقة وينفراي مع مَن يطعنون علناً في صميم الجهات التي تستضيفهم، خصوصاً أولئك الذين لتصريحاتهم أذىً نفسي مباشر يطال ملايين المقيمين في تلك البقعة، وهذا لا يعني بأن الضيف مطالَب بمدح تلك الديار، وليس مفروضاً عليه الترويج لذلك البلد أو التطبيل لهذا القيادي أو ذاك، إنما على الأقل أن يتم احترام المُضيف مِن قِبل الضيف، إذ من اصول الضيافة وقواعدها الأخلاقية أن المرء إن كان في زيارةٍ لمكانٍ ما، وأثناء الإقامة هناك إن لم يعجبه الاسلوب الذي يدير به المضيف حياته، وإن لم يعجبه الطعام أو الشراب أو المسكن فعليه أن يُعبِّر عن عدم رضائه بطريقة مهذبة، كما عليه ألا يفرض على المضيف اسلوب حياته التي كان عليها في دياره، وبما أنه ضيف لبضعة أيام فعليه أن يكون لطيف المعشر وملتزماً بالبروتوكولات التي تحث السياسي أو الدبلوماسي على السلوكيات السليمة في جميع نواحي الحياة، وألا يحط من مقام الذين استضافوه، وألا يتفاخر بما لا يمتلكه أصلاً ليبدو أما المضيف متشاوفاً عليه وإشارات الفوقية الفارغة تخرج من غلاصمه، بل من الأدب أن لا يتحدث بسوء عن المضيف ليس فقط وقت بقائه ضيفاً عنده إنما حتى بعد إنقضاء مدة الزيارة.
عموماً، من المتوقع أن القائمين على منتدى السليمانية لم يكونوا على علمٍ بالذي سيقال مِن على منصة المنتدى مِن قِبل المشاركين، كما أنه من غير اللائق تلقين المشاركين أو الطلب منهم بأن تكون مداخلاتهم أو نقاشاتهم في سياقٍ صارمٍ متفق عليه مِن قَبل، ولكن كان من الأفضل لباقي المشاركين الجالسين على نفس المنبر الرد على مَن يتهجم على تجربتهم، يحط من مستواها، ويستخف بها مقابل الترويج لتجربته التي ما تزال تتخبط في مكانها منذ عشر سنوات، ولم تقدم ولو إنجازاً مميزاً على أي مستوى عدا الجانب العسكري والذي يستمر بفضل الدعم الممنوح مِن قِبل القوات الأمريكية والتحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش".
وفي السياق ذاته، فصحيح أن الردود على ما تفوه به الرئيس السابق لحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) صالح مسلم في منتدى السليمانية كان غزيراً في وسائل التواصل الاجتماعي خلال يومين متتاليين، وكُتبت العشرات من المنشورات والمقالات إضافةً إلى مقاطع الفيديو عن الموقف الذي صدر عن ذلك السياسي، إلاَّ أن استاذ العلوم السياسية في أربيل "كاوا عزيزي" طرح في هذا الصدد على الاستاذ صالح مسلم عبر صفحته الشخصية سؤالاً بسيطاً ولكنه جوهري ومهم، لذا أوردناه هاهنا، بما أن أهل الإختصاص أدرى الناس بخبايا ومفاهيم وشعاب ذلك الإختصاص، قائلاً فيه: "نرجو منكم استاذ صالح توضيح مفهوم (اللامركزية الديمقراطية) فكوني استاذ علوم سياسية لم أتعرف بعدُ إلى هكذا مصطلح، وكونك قيادى في حزب (PYD) نرجو أن تتكلم باسم حزبك أولاً وليس باسم عموم كرد سوريا، وثانياً أن تشرح لنا كنه هذا المصطلح الجديد الذي تفوّهت به، لربما تقنعنا بمضمونه".
على كل حال، فسِمَة المدمِن الذي أشرنا إليه في مستهل المقالة هي شبيهة نوعاً ما بمزيَّة المؤدلجين المؤمنين بأفكار وتصورات معينة ولا يتزحزون عنها رغم بطلانها وعدم فعاليتها، وعدم قدرتها على ملاءمة الواقع وتعارضها مع الحقيقة وتطلعات الناس على الأرض، وكحال المدمن في الأعلى فإن بقي الكائن المحقون بأفكار ومصطلحات محدَّدة في محيطه الاجتماعي أو السياسي القريب فمن المؤكد أن وجوده لن يرتقي لمستوى المصيبة، ولكن الضرر الأعظم يبدأ عندما يريد ذلك المؤدلج حتى النخاع إقناع الناس بأن السراب الذي يُشاهده هو ورهطهُ إنما هو حوضُ ماءٍ كبيرٍ وسيكفي الماء الذي يراه بنواظير منظومته السياسية الملة برمتها، وسينقذها حسب زعمه من العطش والجفاف للأبد، ومن ثم لا يكتفي بنشر وهمه النظري على محيط منظومته الإيديولوجية، هذا إن لم يجد من يُعري تصوره (مفهومه) القائم على السفسطة الصرفة إمعاناً في إيهام المأخوذين بالبلاغة الكلامية والمنطربين بإيقاع الشعارات البراقة، إنما قد يتجاسر وقتها على تعميم تلك الرؤية الهذيانية ليجعلها نظرية تُلقن بها كل الملة عبر وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، مستعيناً في هذا الخصوص بفلسفة السياسي الألماني النازي (بول يوزف غوبلز) الذي يقول: "اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس؟".