: آخر تحديث

فلاح العاني: ذاكرة تاريخ على منصة معاصرة

5
4
3

هل التاريخ يعيد نفسه؟ جملة تتكرر دوماً وأبداً، إلا أننا لا نركز في تفاصيلها إلا بعد أن نعيشها. والسؤال الذي يلحقها هو: هل حاضرنا انفصل بالفعل عن الماضي، أم أننا نعيش في اجترار أمسنا إلى الأبد؟ ربما تكون الإجابة ليست في الانفصال أو التكرار، بل في تداخل زمني معقد. فالتاريخ لا يعيد نفسه بالحرف، لكنه يعيد إيقاعاته. يعيد أخطاءه الكبرى ودروسه المنسية، لكن بوجوه جديدة وأسماء مختلفة.

في بداية القرن العشرين، وصل مجموعة من الشباب الأوروبي إلى زيورخ هرباً من الحرب العالمية الأولى التي كشّرت عن أنيابها لتحرق الأخضر واليابس كما تفعل كل الحروب. وهناك، وفي حقبة تاريخية تعيد نفسها اليوم، ولدت الدادا وتحديداً عام 1915 في مسرح صغير أطلق عليه "كاباريه فولتير". اتسمت تلك الحقبة بصراعات فكرية ووجودية، وشعور عام بالنفور والترقب. لم يكونوا شباباً عاديين، بل مفكرين وشعراء وفنانين رائعين، من ضمنهم الشاعر الروماني تريستان تزارا. وبصفته أحد مؤسسي "دادا"، لعب الأخير دوراً محورياً في صياغة هويتها؛ فكتب بياناتها وأسس مجلتها، وابتكر أسلوباً شعرياً فريداً تبنته الحركة واستلهمته الحركات اللاحقة. وكان لأسلوبه الذي يقوم على تقطيع الكلمات من الصحف ووضعها في كيس، ثم اختيارها عشوائياً لإنشاء القصائد والأعمال الفنية، تأكيداً على دور الصدفة في الإبداع والعبث الذي كان يرى أنه يسيطر على عصره. لقد كانت الدادائية حركة ثورية تنادي بإلغاء شامل لكل ما هو راسخ: إلغاء المنطق، وكل تسلسل هرمي اجتماعي، والذاكرة، والأنبياء، والمستقبل، وكذلك الإيمان المطلق الذي لا يقبل الشك. وقد جادل الدادائيون بأن القيم الإنسانية التي يدعي المجتمع التمسك بها قد ثبت زيفها، وتساءلوا: كيف يمكن لعالم انغمس في تلك البربرية أن يظل وفياً لأشكال الفن والأدب التقليدية؟ ولهذا، اتسمت استراتيجياتهم الفنية بالتفكيك والعدمية للتشكيك في كل معنى وقيمة.

انتقلت الدادائية إلى برلين ومدن أوروبية أخرى، ولكن ما إن وصلت إلى باريس، معقل الفن آنذاك، حتى أخذت منحى آخر. إذ كان انضمام أندري بريتون إلى الحركة نقطة تحوّل فاصلة في تاريخ الدادا التي أنهكتها الصراعات والاختلافات الأيديولوجية والفكرية، مما أدى إلى نهايتها بعد بضع سنوات من ظهورها.

في هذا السياق، يبرز حدث تاريخي بالغ الأهمية في مسيرة الفن الحديث، وهو محاكمة موريس باري الرمزية. فموريس باري، السياسي الفرنسي اليساري المخضرم، (بياع الكلام)، كان يُعتبر السياسي المثالي بالنسبة للدادائيين. تأثروا بأفكاره اليسارية ووضعوا ثقتهم الكبيرة في كلماته المزيفة، لكنه خذلهم بعد أن شهدت مسيرته تحولاً جذرياً من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، مما جعله شخصية مثالية لتلك المحاكمة المسرحية.

أشرف على المحاكمة أندريه بريتون، بمشاركة واسعة من أفراد الحركة مثل بيكابيا وتريستان تزارا. لم تكن هذه المحاكمة مجرد واقعة عادية، بل كانت تجسيداً للمواجهة الفكرية التي أرادت الحركة إثارتها، والتي ساهمت بدورها في تعميق الانقسامات داخل الدادائية في باريس. هذا الأمر عجّل بنهاية الحركة ومهّد الطريق لبريتون لتأسيس الحركة السريالية ككيان فكري وفني مستقل.

ولدت السريالية من رحم "اللا منطق" في الدادا، لتخاطب اللاوعي والأحلام، ولمعت في باريس والعالم، واستمرت في تبني أسلوب تجميع المفردات من الرموز والأشكال التي لا يمكن أن تجتمع في أي فضاء آخر سوى مسارح الفنانين. أي شيء وكل شيء يمكن أن يوضع معاً لخلق حالة لا يمكن التنبؤ بها. وفي واقعنا الذي يتآكل فيه اليقين اليوم، نجد في هذه الفضاءات الفنية ضالتنا، حيث تجمع كل الأشياء المتناقضة والغريبة التي تسير معاً في توليفة لا يعلم بها إلا كبار اللاعبين من تجار السياسة ورجال الدين الذين يحكمون القبضة على مصائرنا.

الفن الرافديني المعاصر والمنهج العدمي
لنعد إلى فن بلاد ما بين النهرين المعاصر الذي استلهم هذا المنهج العدمي في مواجهة واقع متهاوٍ عليل، أسوةً بزملائه من العالم الغربي، حتى وإن كان حضور أسلوب الدادا ـ سريالية قد جاء متأخراً رسمياً في هذا السياق. يتجلى هذا التوجه بشكل خاص لدى فنانين، على سبيل المثال لا الحصر أحمد السوداني، سنان حسين، فلاح العاني، صدام الجميلي، وصولاً إلى نجوم المستقبل القريب علاء الدين محمد ومروان كريم رسن، وبعض من اعمال عمار داود.

لكن ما يميز هذا التوجه هو أن كل فنان صاغ رؤيته بأسلوبه الخاص والمثير للاهتمام، مما يجعل أعمالهم متباينة بشكل لافت. فالحصان الأبيض الذي يظهر في غرفة جلوس عمار داود يختلف اختلافاً جذرياً عن الحمار الوحشي الموجود في "حمّام" سنان حسين، حتى وإن بدت أعمالهما متشابهة للوهلة الأولى. ففي حين يرمز حصان داود الرشيق، الذي حط فجأة من اللا زمان في غرفة أنيقة، ليبحلق في مرآة لا تظهر منه شيئاً، إلى حالة من الانتماء القسري، مؤكداً أن كل شيء يسير على ما يرام حتى وإن سار في طريق كل شيء وعكسه. على النقيض من ذلك، يجسد حمار سنان حسين الوحشي حالة من التمرد والثورية في فضاء يجمع أيضا بين الوجه والقفا، بين المشاهد الفظيعة والأخرى المبهجة، وفوضى الجحيم بألوانها اللطيفة. هذا التناغم بين المتنافر يظهر أيضاً في مسارح أحمد السوداني، حيث تسيح المفردات على بعضها لتخلط الحابل بالنابل.

تتخذ هذه الأعمال طبيعة مرنة ونشطة تتحرك باستمرار، لتسقط الهرمية وتلغي الحدود، وكأنها كرنفالات من العصر الوسيط. تتنوع أشكالها بين المحاكاة الساخرة، والتشويه، والإسفاف، والتدنيس، والتتويج والإسقاط المضحك. وهي تحمل في جوهرها طابعاً يوتوبياً موجهاً ضد أي شكل من أشكال التفوق أو الهيمنة، حيث ترفع من شأن ما هو "أسفل" وتسفّل ما هو "أعلى"، وتلغي المسافات وتنتعش بالتجدد المستمر. وفي هذا السياق، يبدو سنان حسين وكأنه يحط من شان مسوخه، يذلهم، يقبرهم، ليعلن ولادتهم من جديد. هدم وبناء لانهائي، احتفاليات موت وقيامة مرحة، ومبهجة وغريبة في ذات الوقت.

لقد مزج الفنان الرافديني المعاصر مفردات غريبة في فضاءات أغرب، وقدم منظوراً فريداً خاصا واسلوبا مختلفا لا يمكن تخطيه. وتتجسد هذه التوليفة أيضاً في فضاءات فلاح العاني، حيث لا يحدث فيها شيء على الإطلاق، لكن كل شيء فيها ممكن. في مساحات نفسية مشتتة نرى فيها صوراً لمستقبل فارغ، كصفحة بيضاء من البداية إلى النهاية. تملأها فزاعات الرعب والأقنعة وجذوع الأشجار اليابسة التي لا تنمو أبداً. أبواق وبالونات وقوارب وشخصيات مقطّعة الأوصال تسرح بنظراتها نحو حلم لم ولن يكتمل. إنها مسوخ لا تنوي تغيير شيء، لكنها تبحلق بمرارة يصعب تحديدها. تتجاوز ساحاته البصرية الكئيبة مجرد تمثيل لواقع اليوم أو الأمس، وربما تشير إلى تحولات جذرية في فهم العاني للواقع. إنها على أية حال مقنّعة، فأما أن نجد غرفاً مغلقة خانقة أو أقفاصاً بلا حدود. نعم، هناك ضحك على الرغم من الجدية التي تبدو عليها، لكنه ضحك خالٍ من مظاهر المرح التي تظهر في أعمال سنان حسين. طقسه الكرنفالي حزين، أو بالأحرى جنائزي، فهو مصدوم لكنه صامت ومخلص لطبيعته اللامبالية. إن مجتمعه لا إنساني يغمره اليأس والإحباط، تتعكز أفراده على أي شيء ولأشيء، وتقف ما بين البين. لعلها في حوار أبدي بين عزلتها الفردية القاتمة وتراجيديا الانتماء إلى الجماعة، أو ربما بين حياة كانت محتملة ومستقبل اغتيل في أوطان القحط.

ولد فلاح العاني في مدينة الكروم الصغيرة (بلد)، وهي مدينة تاريخية تقع غرب بلاد ما بين النهرين ـ العراق. في أعماله، يناقش العاني مواضيع مثل الحروب، والاحتلال، والمقدس، والهجرة، والبيئة. بعد انتقاله إلى السويد، أقام عدة معارض في مدن سويدية وفي بلدان أوروبية أخرى. عُرضت أعماله في مؤسسات فنية مرموقة، من ضمنها متحف نورشوبنك ومتحف أوربرو، بالإضافة إلى صالون الربيع (ليليفالس) في ستوكهولم.

التاريخ على طبق التضحية
يصور العاني في أعماله تداعيات الحروب، ولكنه يفعل ذلك بأسلوب مختلف تماماً عن واقع اليوم، كما يظهر في عمله "من وحي مدينة ماريبول" وكذلك "من وحي غزة". وكأن لسان حاله يقول لنا: "اِبحثوا عن الماضي".

ففي العمل الأول، "من وحي مدينة ماريبول" المستوحى من حرب أوكرانيا، يظهر وعاء مع بعض أزهار عباد الشمس، وفارس كسارة البندق الذي يحمل رمحه ويركب حصانه، بالإضافة إلى رأس تمثال ملقى على الأرض. هنا، يقدم العاني سماسرة الحروب وقادتها الذين يجسدون حلماً زائفاً للبطولة، كما تتجلى في صورة فارس كسارة البندق الذي قاد حرباً ضد الفئران لاستعادة اَدميته المسحورة.

لكن في حقيقة الأمر، هؤلاء القادة ليسوا سوى بُلْه، شأنهم شأن السيد دون كيخوت الأحمق الذي أغرقته قراءة عشرات كتب الفروسية، فتصور نفسه فارساً مقداماً. فانطلق يواجه كل من يعترضه في رحلات زعم أنها ذات مسعى أخلاقي لتغيير العالم. بيد أن صيته سرعان ما ذاع في كل مكان، وعومل بقسوة وإهانة بالغة، فنال من الضرب والتهشيم ما ناله على يد كل من قابله. بل وحتى طواحين الهواء التي توهمها عمالقة أشرار، أسقطته أرضاً مع رمحه وخوذته الواهية، ولم يستفق من غفلته إلا بعد فوات الأوان.

يبدو المشهد في هذا العمل كلاسيكياً، وكأنه قفز مباشرة من كتب التاريخ. يُعرض العمل على ما يشبه طاولة أو منصة دائرية، مما يمنحه إحساساً بأنه مسرح أو ديوراما مصغرة تُعنى بنقل تفاصيل الحرب وتبعاتها. تتكرر مفردة المنصة أو الطاولة في أعمال فلاح، وكأنه يطرح أفكاره عليها للعرض. ولا يبدو أن هذه المنصة مجرد قطعة أثاث، بل هي بمثابة طبق لتقديم الحكاية؛ لكنه ليس طبق الطعام الشهي، بل طبق التضحية وكوارث الصراعات البشرية. تفصل هذه المنصة العناصر الرئيسية عن الفضاء الخلفي الذي يتكون من جزأين: جزء سفلي بلون أزرق مائل للخضرة، وجزء علوي أغمق. هذا الفصل المكاني بين "مسرح" الأحداث والخلفية المظلمة يعزل التفاصيل، مما يدعونا إلى التمعّن في الرموز والشخصيات والقطع الملقاة. وربما يود الفنان أن يلفت انتباهنا إلى أن ما نراه ليس جزءاً من الواقع المتصل، بل هو لقطة مجمدة ومعزولة عن السياق الزماني والمكاني المعتاد.

أما في عمله الآخر "من وحي غزة"، فيتجلى التوازن الهش الذي يكون في أوج جماله قبل لحظة الانهيار، كحقيقة مؤلمة. يظهر ذلك في مشهد رجل يقف على حبل، يكافح للحفاظ على توازنه وسط عدد من الكرات المتطايرة. هذا المشهد قد يحيلنا إلى مشروع "كاميرات الانتحار" للفنان هارون فاروقي، الذي تناول فيه الكاميرات المثبتة على رؤوس الصواريخ حتى لحظة الانفجار خلال حرب الخليج الأولى. يمكننا أن نرى "كاميرات الانتحار" ككاميرات "مصاصة دماء" لا تموت أبداً، بل تتضاعف شظاياها عند سقوط الصواريخ لتتحول إلى مليارات العدسات الدقيقة في الهواتف المحمولة، لتخترق حياة الناس وتشكل هوياتهم، تماماً كما تفعل الكوارث التي تعيشها الشعوب أثناء وبعد هذه الحروب.

وهنا يكمن أسلوب العاني في تصوير قضايا العصر: فبينما يختلف عالمه الفني تماماً عن الحروب الإلكترونية المعاصرة التي تستخدم التقنيات العالية لتوجيه الرأي العام وفبركة الصور والأفلام، فإنه يوجه انتباهنا إلى أن حروب اليوم لا تختلف كثيراً عن حروب الأمس. فالأسباب والمسببات واحدة، وإن كانت الأدوات والصورة قد اتخذت منحى آخر. هذه الحروب، التي ندّعي أنها اقتصادية ومعاصرة، هي في جوهرها استمرار للحروب الدينية والطائفية التاريخية. وحتى التحالفات التي تُبنى اليوم، تستند في كثير من الأحيان إلى الأساس الديني والتاريخي ذاته.

المنصة المقدسة والحوارات الصامتة
أطلق فلاح العاني على أحد أعماله عنوان "المقدْس". في هذه اللوحة، يظهر رجل يرتدي ثوباً أصفر اللون وتحيط برأسه هالة ترمز إلى القداسة أو التأييد الإلهي. تحتل هذه الشخصية، الجالسة في وضعية سلطوية، النصف الأيمن من اللوحة، وتحمل بوقاً (مكبر صوت) توجهه مباشرة نحو فرد آخر في الجهة المقابلة. هذا الفرد يحمل كتاباً على صدره، بينما تتناسخ أشباهه على يمينه ويساره.

يحيلنا هذا التمثيل البليغ إلى واقع "وسيط السماء" أو رجل الدين وعلاقته بالمؤمنين. هو تاجر الوصايا الإلهية البراقة الذي يستغل مكانته الروحية داخل أرواح أتباعه، المستلبة بالفقر والعوز والحرمان، ليدلي عليهم بأوامر ووعود السماء من خلال قصصه البدائية الساذجة التي تضخمها وسيلة صوتية كالبوق. يصور العاني الذات الفردية وهي تنسخ نفسها لتتحول إلى ذات جماعية على شكل أشباح أو أشباه، ليسهل تعبئتها بالإيديولوجية الدينية لتنفيذ طموحات وأحلام "الوسيط".

ما أراه واضحاً في هذا العمل هو تصوير القدرة على التجييش وحجم هذا التجييش، وليس بما يقوله الوسيط من هراء دادائي عبر بوقه الكبير الموجه نحو الجماهير. إنه تصوير لمهارة الزعامة وإتقان قواعد التحكم والسيطرة على الجماهير، وهو ما كان ولا يزال سبباً رئيسياً في كوارث الأوطان.
تبرز هذه الفكرة من خلال وضعية جلوس الوسيط، التي تؤكد التسلسل الهرمي للقوة والسلطة التي تتدفق من الأعلى لتلقّن الشعب المؤمن في الأسفل. بعبارة أخرى، إن التباين العميق بين المقدس والمدنس، أو بين الملقّن والمتلقي، هو ما يفسر هذا الإيمان المطلق بشخصيات تبدو للناظر كاريكاتورية ومثيرة للسخرية. ففي حين تثور الجماعة عادةً على قادة الأرض، فإنها تخشى مناقشة "ما أمرت به السماء" على لسان من هو في الأسفل، حتى لو كانت هذه الأوامر أفظع بكثير مما هي على الأرض.

ويا لها من أوامر! فهي تمنح الأراضي وتوزع الألقاب والمناصب المرموقة، وتهب الثروات والقصور الفارهة، وتسلّم الرضيعات لوسطائها الخرفين. وتأمر بالحروب على من يخالف أوامرها، وتمعن في إذلاله وكسر إنسانيته، وتسبي نساءه، وتجوع أطفاله. ورغم كل ذلك، يلوّح الجميع بعظمتها ورحمتها الواسعة.

إن فقدان الفرد لعقلانيته وتحوله إلى جزء من جماعة ذات سلوكيات عفوية وهدامة، بليدة وسهلة الانقياد، تنفذ ولا تناقش، وتستقبل الأوامر دون مراجعة، وتعتبرها حقائق لا تقبل الجدل، هو ما يفسر أيضاً استيلاء هؤلاء "المضحكين" على زمام الأمور وسيطرتهم على دول كبيرة وعريقة لعقود من الزمن.
تتكرر في أعمال العاني ظاهرة الشخصيات المتقابلة، في حوارات صامتة. أراها كذلك، أشبه بحوارات الطرشان، حيث يعود هذا اللقاء ويتكرر إلى ما لا نهاية. إنه حوار من الخواء الوجودي؛ فكل شخصية تنظر إلى الأخرى، لا بحثاً عن إجابة، بل لتجد في نظرة الآخر صدىً لفراغها. لا أدّعي أنه حوار فاشل، بل هو حوار يكتمل في عبثيته، أشبه بمسرحية بلا نص، شخصياتها عاجزة عن تجاوز المسافة التي تفصل بينها، فتبدأ حواراً مع نسختها في الجهة المقابلة، وكأنها تواجه مأزقها الأبدي الذي لا مفر منه.


تتخذ هذه الحوارات الصامتة أبعاداً أكثر غرابة عندما لا تكون الشخصيات المتقابلة بشراً، بل كائنات مقنّعة، أو كائنات هجينة تجمع بين جسم الإنسان ورأس الطير وأقدام كائن خرافي. هذه الكائنات ظهرت في ميثولوجيا الشعوب، ومن ضمنها حضارات بلاد ما بين النهرين، ومثّلت أنواعاً متعددة من الآلهة لحماية البشر من مخاوفهم وصراعاتهم الأبدية مع الطبيعة. إذن، هناك استدعاء لذاكرة جماعية عميقة تختزن حكايات الأساطير التي طالما حاول الإنسان من خلالها فهم نفسه وعالمه.

وربما يتحول الحوار الوجودي هنا إلى مواجهة مع الأنا المتعددة، ومع الأوجه التي يرتديها الإنسان في زمننا هذا. فالقناع، الذي يُفترض أن يخفي الهوية، يصبح هو الهوية نفسها، بينما يتحول رأس الطير إلى رمز للغرائز الحيوانية التي تتحكم في سلوكنا، بدلاً من أن يرمز إلى الحرية والتحليق بعيداً عن الواقع.
في مسارح العاني يبدو كل شيء هادئاً ومنظماً، فالمساحات موزعة بعناية والرموز والشخصيات واضحة. لكن خلف هذا الهدوء الظاهري، يكمن توتر خفي؛ إنه هدوء ما قبل العاصفة، ونظام مفروض بالقوة على فوضى كامنة. هذه المساحات الموزعة بدقة ليست سوى قفص ذهبي، وكل رمز وشخصية واضحة ليست إلا وجهاً من أقنعة متعددة. إنه ليس هدوء الطمأنينة، بل هو هدوء الإحباط الذي يأبى الظهور، ونظام اليأس الذي يرتدي قناع الترتيب. هذا الترتيب المكاني يمنح العمل الفني بعداً إضافياً، فهي ليست مجرد تصوير لعناصر عشوائية، بل هي تكوين محكم ضمن فضاء محدد، وكأنها لقطة من تمثيلية مُعدّة بعناية لتعكس حالة معينة.

تغريد هاشم 
ستوكهولم ـ ١٤ أغسطس ٢٠٢٥


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات