في التراث الديني، يمثّل أيوب صورة الصبر الأعمق في الوجدان الإنساني؛ صبرٌ فرديّ يواجه البلاء بوحدة الروح وثبات الإرادة، وينتهي بفرجٍ يبدّد الألم ويعيد التوازن إلى الحياة. واليوم، يجد اللبنانيون أنفسهم يعودون إلى هذا المجاز كلّما امتدّ القصف على الجنوب، وكلّما ارتفع الدخان فوق البيوت المتعبة، وكلّما عاد السؤال يتردّد في الضاحية وفي القرى الموزّعة على الخطوط الساخنة: هل يشبه صبر حزب الله صبر أيوب؟ وهل يحمل هذا الصبر وعدًا بنهاية تخفّف عمّا أصاب الناس من فقدانٍ وخراب، أم أنّ الواقع يسير نحو مسار مختلف تمامًا، يزداد تعقيدًا كلّ يوم؟
في تلك القرى التي باتت تعرف الحرب أكثر ممّا تعرف الفصول، تتبدّل ملامح الحياة بوتيرة لا تشبه ما كان مألوفًا. الأزقّة التي كانت تضجّ بحياة يومية بسيطة، برائحة الخبز ونداءات الباعة، صارت مسرحًا للترقّب والقلق. المنازل المتشققة التي تصمد بيدٍ واحدة، والطرقات التي تتعايش مع الركام، والمدارس التي تُفتح وتُغلق وفق إيقاع القصف… كلها تحوّلت إلى تفاصيل ثابتة في يوميات الجنوبيين. غير أنّ الخسائر البشرية تبقى الأشدّ وقعًا؛ فالأسماء التي تُعلن يوميًا ليست أرقامًا جامدة، بل وجوهًا شابة وأحلامًا لم تُتح لها فرصة الاكتمال. مقاتلون تلقّوا تدريبًا طويلاً، وطلابٌ جامعيون كانوا يحملون كتبهم وأحلامهم، وآباءٌ شباب تواروا خلفهم بعائلات صغيرة تنتظر عودتهم كل مساء.
تتراكم هذه القصص في ذاكرة الجنوب وتشكّل طبقة جديدة من الحزن والصلابة معًا، طبقة تجعل الناس يتساءلون بمرارة عن معنى “الصبر” وحدوده، وعن قدرة الإنسان على الاحتمال في بلد صار فيه الخطر جزءًا من المشهد اليومي. ومع ذلك، يظل الجنوبيون ينهضون كل صباح، يحيون عائلاتهم، ويشقّون الطرقات نفسها، كأنهم يعيدون تعريف معنى الثبات في وجه العاصفة.
منذ بداياته، لم يكن الصبر تفصيلاً عابرًا في مسار حزب الله، بل ركنًا من أركان بنيته القتالية والسياسية. فالحزب يعتبر الزمن جزءًا من المعركة، و”طول النفس” ركيزة في معادلات الردع. إلا أنّ الصبر في هذه المرحلة يأخذ ملامح أخرى: فالمعادلة الإقليمية أكثر تعقيدًا، والاحتكاك العسكري أشدّ حدّة، والبيئة الاجتماعية أكثر هشاشة بفعل الانهيار الاقتصادي الذي أنهك اللبنانيين جميعًا، من الجنوب إلى الشمال. ومع ذلك، يرى الحزب أنّ تجنّب حرب شاملة، رغم قساوة الاستنزاف اليومي، قد يكون أقلّ كلفة على لبنان من مواجهة واسعة قد تمتدّ لأشهر وتخلّف آثارًا مدمّرة على البشر والحجر.
لكن يبقى السؤال: هل يمكن الصمود طويلًا أمام هذا الإيقاع؟ وهل يمكن الجمع بين ضرورة الردع وبين حماية المجتمع؟ هنا تنفتح أسئلة كبرى تتطلّب قراءة دقيقة لوزن الدم والسياسة والجغرافيا، وللحدود التي يستطيع بلد صغير مثل لبنان تحمّلها وسط لعبة أمم كبرى تتجاوز قدرته وإمكاناته.
وعلى الرغم من أنّ اللحظة الإقليمية تتشكّل في عواصم عدّة، تبقى الدولة اللبنانية، بمؤسساتها المدنية والعسكرية، ضرورة لا غنى عنها. فهي الإطار الذي يوفّر للناس حدًّا أدنى من الأمان، ويعيد تنظيم صفوفهم في لحظات الخطر، ويسعى إلى وصل ما تقطّع بين مناطق البلد ومكوّناته. الدولة ليست الطرف الذي يقرّر الحرب أو يوقفها، لكنّها المساحة الوطنية التي تُدار عبرها الأزمات، وتُخفَّف عبرها الأعباء عن المجتمع في زمن الاحتقان والانتظار. ولعلّ الحاجة اليوم إلى دولة فاعلة ومسؤولة أصبحت أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، لتجنّب الانزلاق إلى فراغٍ كامل يبتلع ما تبقّى من قدرة الناس على الاحتمال.
في هذا المشهد، تبقى الاحتمالات مفتوحة على مسارات متعدّدة: قد يستمر الاشتباك على وتيرته الحالية، ما يعني إطالة زمن الاستنزاف من دون تحوّل حاسم، وتراكم الضغوط الاجتماعية على الحزب وعلى القرى التي تتحمّل الكلفة الأكبر. وقد تفرض التطورات الإقليمية تسوية جديدة مرتبطة بنتائج حرب غزة ومفاوضات واشنطن وطهران، تعيد صياغة قواعد الاشتباك بما يخفّف النار دون أن يطفئها. كما يبقى احتمال الانزلاق إلى حرب واسعة قائمًا، وهو سيناريو ثقيل الكلفة على الجميع، وإن ظلّ محاطًا حتى الآن بشبكة توازنات دولية دقيقة.
وبين صبر أيوب وصبر الحزب فارق جوهري؛ فصبر أيوب كان امتحانًا فرديًا ينتهي بفرجٍ قدري، بينما صبر الحزب امتحانٌ جماعي يدفع المجتمع ثمنه يومًا بعد يوم، وسط معادلات تُكتب في غرف مغلقة وعلى جبهات متداخلة. هنا لا نهاية مكتوبة سلفًا، ولا ضمانة بأن الفرج سيأتي كما جاء في النص الديني. فالنهاية رهن التوازن بين القوة والزمن، وبين كلفة الاستمرار ومخاطر الانفجار، وبين صبرٍ يبني وصبرٍ قد يهدم.
ومهما يكن، يبقى صبر الناس هو الأساس. فقد أثبت الجنوب قدرة استثنائية على الاحتمال، لكن صبر الناس، مهما علت قيمته، ليس مادة لا تنفد. لبنان يحتاج اليوم إلى رؤية تُعيد الإنسان إلى صدارة الحسابات، تضع حياة الشباب فوق كل اعتبار، وتمنح المجتمع ما يستحقه من أمان وكرامة. يحتاج إلى صوت وطنيّ يعلو فوق صوت النار، ويعيد للبلد توازنه وهو يمشي على حافة الهاوية والوقت. فإذا كان صبر أيوب قد انتهى بفرجٍ قدري، فإنّ صبر الجنوب ما يزال يُكتَب بين سطور الرصاص والترقّب، بانتظار لحظة تُعيد لهذا الوطن نبضه واستقراره.


