: آخر تحديث

خبراء المجالس الشعبية

2
1
1

محمد بن عيسى الكنعان

للوهلة الأولى قد يبدو لك هذا العنوان: (خبراء المجالس الشعبية) عنوانًا غريبًا، أو شاذًا، أو في أقل الأحوال ساخرًا، فالخبراء عادةً نجدهم في المجالس الرسمية كمجالس إدارات شركات، أو أعضاء في مجالس حكومية. فهل للمجالس الشعبية خبراء؟ مهما كانت تسمية هذه المجالس ذات الطابع الاجتماعي بالديوانيات أو الاستراحات أو (الشبّات) كما يسميها أهل حائل؛ فكيف يكون لها خبراء! ومن هم هؤلاء الخبراء؟ قطعًا الكلمة ليست وفق دلالتها المعروفة في عالم المال والأعمال والاستشارات، ولكنها هنا مجازية للدلالة على فئة اجتماعية تعيش بيننا، أو تصف حالة يومية تمر علينا، طراز نادر بين الناس يدّعي معرفة كل شيء، وشريحة اجتماعية تُجيد الكلام وتعشقه، وتتحدث بمنطق من يتظاهر أنه يملك المعلومة دون غيره، فئة لها حضور لافت بسبب الصخب الذي تُحدثه بين الحاضرين، كما أن لديها قدرة على المراهنات الشخصية لتأكيد معلوماتها في أي نقاش تكون طرفًا فيه. بالطبع هؤلاء الخبراء ليسوا على نسق واحد، أو يتحدثون بأسلوب واحد، أو يتناولون مجالًا محددًا، فهذا يتحدث بالاقتصاد وكأنه آدم سميث، وآخر في شؤون الرياضة وكأنه رئيس الفيفا، وثالث في كواليس السياسة الدولية حتى تعتقد أنه ربما كان يومًا ما مبعوثًا دوليًا لحل النزاعات، ورابع في منصات التواصل الاجتماعي وقضايا المشاهير لدرجة أنك تظن أنه صديقهم الخاص، وخامس مختص بنقل الأخبار التي تبثها وكالة (يقولون)، فهو أساسًا لا يعرف معنى الدقة في عالم الإعلام حتى يتحرى عن صحة الخبر، وغيرهم كثير ضاع في كل فن أو مجال بحياتنا، أما أبرزهم فهو ذلك الخبير الشعبوي الذي يُحدثك بكل شيء، ويُفتي في كل أمر، وينقل لك كل خبر؛ ويهرف بما يعرف أو لا يعرف، ويتفنن بمقاطعة أحاديث الآخرين؛ لأنه يريد أن يستبد بالوقت لأحاديثه أكثر من غيره.

قد يقول قائل: إن هؤلاء الخبراء الشعبيين لا شك أن لديهم شيئًا من المعلومات والأخبار الصحيحة ما يبرر حديثهم المتواصل، نقول نعم ربما كان ذلك صحيحًا! ولكنهم في المجمل يتحدثون بمنطق الخبرة الوهمية، ويعرضون المعلومة السقيمة كأنها وجبة سريعة، وأنهم عرفوا سر الحقيقة، ولديهم مصادرهم الخاصة دون غيرهم، وهم في حقيقة الأمر مجرد أشخاص سقطوا أسرى لأخبار منصات التواصل الاجتماعي وسوالفها ومقاطعها المفبركة، التي تخلط الغث بالسمين، أو استمرأوا دردشات (الواتساب) التي توالدت بفعل الإشاعات. هؤلاء الخبراء اليوم هم أمام امتحان صعب في ظل وجود الذكاء الاصطناعي الذي سيكشف حقيقة معلوماتهم وصحة أخبارهم، فيكتبون بأنفسهم نهاية وجودهم.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد