: آخر تحديث
من إدارة الحصص إلى ضبط معامل التشتت:

لماذا تغيّرت معادلة الطاقة العالمية؟

3
3
2

هندسة الاستقرار في عالم مضطرب: قراءة ديناميكية موسّعة في مستقبل تحالف «أوبك+» (2025–2027)

مدخل التحقيق: عالم يتحرك بلا خطوط مستقيمة
منذ بداية العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، أصبح تحليل أسواق الطاقة شبيهاً بمحاولة قراءة موجة وسط عاصفة. فالعوامل التي كانت تحدد اتجاهات السوق لعقود — مثل حجم الإنتاج، المخزون، والعرض والطلب — لم تعد تشرح ما يحدث على الأرض. قرارات خفض الإنتاج لم تعد ترفع الأسعار دائماً، وزيادات طفيفة في المعروض لم تعد تهبط بها كما يحدث في الأسواق المستقرة.

في هذا السياق، يبرز تحالف «أوبك+» كواحدة من أهم أدوات ضبط الاستقرار العالمي، ليس بوصفه “كارتلاً نفطياً” تقليدياً، بل بوصفه نظاماً شبكياً معقداً تحتاج قراءته إلى مقاربة ديناميكية تدمج الاقتصاد بالسياسة وبالهندسة التشغيلية.

هذا التحقيق يحاول أن يقدّم ذلك، عبر تفكيك “معامل التشتت الديناميكي” الذي أصبح المؤشر الأكثر دقة لقياس صحة التحالف، واستكشاف مستقبل «أوبك+» خلال الفترة الحاسمة: 2025–2027.

لماذا لم تعد «أوبك+» منظمة تقليدية؟
في بداية الألفية، كانت «أوبك» تُقرأ من زاوية واحدة: “كم تنتج وكم تخفض؟”. لكن ابتداءً من 2016، ومع دخول روسيا وتحول التحالف إلى «أوبك+»، ظهرت طبقات جديدة:

دول ذات سعة إنتاجية مرنة تستطيع رفع وخفض إنتاجها وفقاً للظروف.

دول وصلت إلى سقف قدرتها التشغيلية وتعاني من تراجع طبيعي في حقولها.

دول تعيش ضغوطاً مالية داخلية تجعل كل برميل إضافي ضرورة سياسية قبل أن يكون خياراً اقتصادياً.

وبيئة دولية تضيف “ضجيجاً جيوسياسياً” مستمراً يؤثر على قرارات الإنتاج.

هنا لم يعد بالإمكان قراءة التحالف على أنه “منظمة حصص”، بل منصة معقدة تخضع لتفاعلات متشابكة، تتطلب أداة تحليلية يمكنها قياس حجم التشتت الداخلي بدقة.

معامل التشتت الديناميكي… المؤشر الحاسم لفهم استقرار التحالف
يُقاس تماسك «أوبك+» من خلال “معامل التشتت الديناميكي” (\σ_D)، وهو مؤشر مركّب لا يقيس فقط مدى الالتزام، بل يقيس الفجوة بين الهدف الجماعي والسلوك الواقعي على مستوى الأعضاء.

1) فجوة الالتزام (Compliance Variance)

الالتزام في الاقتصادات المستقرة قد يكون قراراً فنياً، لكن في العديد من الدول داخل التحالف، تجاوز الحصص يرتبط مباشرة بضغوط مالية، عجز موازنات، أزمات عملة، أو وضع داخلي مضطرب. بالتالي يصبح عدم الامتثال “صرخة استغاثة مالية”، وليس فقط مخالفة تشغيلية.

2) فجوة القدرة (Structural Capacity Gap)

التحالف منقسم إلى فئتين:

دول تمتلك سعة احتياطية واستثمارات كبرى (السعودية، الإمارات).

دول تنتج عند حدودها القصوى، وتفتقر إلى الاستثمار الضروري للترميم أو التوسع.

الفجوة بين هاتين المجموعتين تُنتج اختلالاً في توازن القوة داخل التحالف.

3) الضجيج الجيوسياسي (Geopolitical Noise)

العقوبات على روسيا، الحرب في أوكرانيا، التحولات في أسواق آسيا، وإعادة رسم تدفقات الطاقة في أوروبا… جميعها أضافت عوامل “لا نفطية” تُغيّر اتجاهات القرار داخل «أوبك+» لحسابات سياسية وأمنية.

كلما ارتفعت هذه العوامل الثلاثة، ارتفع معها معامل التشتت، فتقل قدرة التحالف على إرسال “إشارة سعرية” واضحة للسوق.

أين يقف التحالف الآن؟ قراءة معمقة للواقع في نهاية 2025

تشير المعطيات الحالية إلى أن «أوبك+» يتموضع في منطقة تشتت متوسط — وهذه المنطقة هي الأخطر لأنها قابلة للتطور سريعاً في الاتجاهين.

على مستوى الالتزام

هناك تحسّن واضح، لكن بعض الدول لا تزال تتعامل مع كل برميل إضافي بوصفه “مورد نجاة”، خصوصاً الدول التي تعاني من ارتفاع تضخم أو انهيار عملتها.

على مستوى الهيكل الإنتاجي

دول الخليج توسّعت في الاستثمار upstream ورفعت طاقتها الاحتياطية، بينما انخفض إنتاج دول إفريقية وأمريكية لاتينية نتيجة تقادم الحقول أو ضعف الاستثمار.

هذا أحدث انتقالاً هادئاً لمركز الثقل باتجاه المنتجين أصحاب القدرة الحقيقية على موازنة السوق.

على مستوى الضجيج الجيوسياسي

الأسواق العالمية لا تزال في حالة ترقب: تهدئة محتملة في شرق أوروبا، توترات شرق أوسطية متحركة، وموجة تشريعية جديدة في الولايات المتحدة متعلقة بالطاقة.

هذا كله يجعل أي قرار داخل التحالف محكوماً بتوازن حساس وعلى درجة عالية من التعقيد.

إطلاق آلية تقييم القدرات الإنتاجية يمثل اعترافاً ضمنياً بوجود هذا التشتت، ومحاولة هندسية لاحتوائه قبل أن يصل إلى مستويات حرجة.

الدور السعودي… العقدة المركزية التي تمنع انفراط الشبكة
بمقاييس نظرية الشبكات، لا يستقر أي نظام معقد دون عقدة مركزية تجمع الأطراف. وفي «أوبك+»، تؤدي المملكة العربية السعودية هذا الدور عبر ثلاث أدوات تشغيلية رئيسية:

1) السعة الاحتياطية كأداة ردع واستقرار

هذه السعة ليست مجرد رقم، بل هي “سلاح استقرار” يضبط إيقاع السوق ويمنح المملكة قدرة على:

طمأنة الأسواق في أوقات الشح، وردع أي محاولات اضطراب أو إنتاج زائد من بعض الأطراف.

2) الشرعية المزدوجة

نجحت المملكة في بناء شرعية داخلية في التحالف من خلال تحمل العبء الأكبر من التخفيضات، وشرعية خارجية من خلال خطاب مسؤول يُقدّم استقرار السوق على مصالح السعر اللحظية.

3) التوسع الشبكي في ما وراء النفط

استثمارات في المصافي، المصب downstream، التكنولوجيا منخفضة الكربون، والبتروكيماويات… جميعها خلقت شبكة مصالح تجعل التحالف “منصة اقتصادية استراتيجية” وليس مجرد تكتل أسعار.

سيناريوهات 2026–2027… أي طريق سيسلكه التحالف؟
تقدم الرؤية الديناميكية ثلاثة سيناريوهات رئيسية تحدد مستقبل «أوبك+» خلال العامين القادمين.

السيناريو الأول: فخ الانفلات

إذا ارتفع التشتت بصورة حادة، قد يتجه التحالف إلى حالة “انكماش تشغيلي” تؤدي إلى حرب أسعار.

لكن هذا السيناريو ضعيف الاحتمال نظراً إلى وجود قيادة سعودية قادرة على إعادة الضبط عند الحاجة.

السيناريو الثاني: الاتساق الديناميكي

استمرار الوضع الراهن مع إدارة التباينات بحلول تكتيكية، وتخفيضات طوعية من حين لآخر.

هذا السيناريو هو الأرجح خلال المدى القصير (ستة إلى 12 شهراً).

السيناريو الثالث: المنصة الشاملة للطاقة

تحول «أوبك+» إلى بنك مركزي للطاقة يشمل النفط، الغاز، الهيدروجين، والتحول الأخضر.

هذا السيناريو متوسط الاحتمال، لكنه الاتجاه الذي تعمل عليه السعودية على المدى المتوسط.

الخاتمة: الاستقرار ليس غياب الخلافات… بل القدرة على إدارتها
تكشف المقاربة الديناميكية أن قوة «أوبك+» ليست في حجم الإنتاج، بل في قدرته على تحويل الخلافات الداخلية إلى فاعلية تشغيلية.

ولكي يصل التحالف إلى “الفاعلية الفائقة”، يحتاج إلى:

مأسسة البيانات عبر إنشاء كيان مستقل لتقييم القدرات الإنتاجية، تنويع الحوافز لمنع الدول الأقل قدرة من تجاوز الحصص، المرونة الاستباقية في إدارة التوقعات والأسعار قبل حدوث الأزمات.

ما دام التحالف يحتفظ بقدرة السعودية على لعب دور “مهندس الاستقرار”، فإن «أوبك+» قادر على عبور التحولات الكبرى المقبلة وإعادة تشكيل مستقبل الطاقة العالمي بما يخدم المنتجين والمستهلكين على حد سواء.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.