: آخر تحديث

أنفقنا 527 مليار ريال خلال 9 أشهر..!

1
1
1

تغريد إبراهيم الطاسان

تكشف بيانات البنك المركزي السعودي حول إنفاق السكان خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025 عن مشهد استهلاكي غني بالدلالات، ليس فقط لأنه بلغ 527 مليار ريال عبر عمليات نقاط البيع، بل لأنه يرسم ملامح التحول في نمط الحياة داخل المملكة، ويوضح كيف يفكّر المستهلك السعودي، وما الذي يفضله، وإلى أين يوجّه دخله، وما الذي أصبح جزءًا من أولوياته اليومية.

ففي مقدمة القطاعات التي استقطبت الإنفاق، يظهر قطاع الأطعمة والمشروبات بـ 78 مليار ريال، يليه قطاع المطاعم والمقاهي بـ 63 مليار ريال. هذا الترتيب لا يعكس مجرد حاجة غذائية، بل يشير إلى تحوّل اجتماعي واسع.

فالأكل خارج المنزل لم يعد نشاطًا ثانويًا أو خيارًا ترفيهيًا، بل أصبح جزءًا من إيقاع الحياة اليومية، وامتدادًا لأسلوب معيشة يعتمد على السرعة، والتنقل، والبحث عن مساحات اجتماعية مرنة.

المقاهي لم تعد مكانًا للقهوة فقط، بل فضاءً للعمل، والاجتماعات، والدراسة، وبقدر ما تُقدّم من مشروبات، فإنها تمنح المستهلك أيضًا شعورًا بالانتماء و»الروتين الجميل» الذي يبحث عنه كثيرون في المدن الحديثة.

اللافت أيضًا الإنفاق الكبير على الخدمات المهنية والتجارية الذي بلغ 45 مليار ريال، وهو إنفاق يعكس بدوره تطورًا في وعي الفرد السعودي تجاه مفهوم الخدمة، والاعتماد على الحلول المهنية بدل المعالجات الذاتية.

من كهربائي المنزل إلى العيادات الطبية المتخصصة، يختار المستهلك اليوم جودة الخدمة على حساب الوقت، ويُظهر استعدادًا أكبر للدفع مقابل الراحة والموثوقية.

وينطبق ذلك أيضًا على قطاع الصحة الذي سجل 36 مليار ريال، والذي يبدو أنه أصبح عنصرًا أساسيًا في أولويات كثير من الأسر، سواء في جانب الوقاية، أو المتابعة الطبية، أو الاستشارات المتخصصة، بما يعكس ارتفاع الوعي الصحي وتنامي ثقافة الفحص الدوري.

وتكشف البيانات كذلك عن إنفاق ملحوظ على النقل بـ 39 مليار ريال، إضافة إلى 37 مليار ريال على محطات الوقود. هاتان الفئتان تحديدًا تمثلان جانبًا مهمًا من واقع الحياة في المملكة، حيث تتسع المدن وتتباعد مراكز العمل والسكن، ما يجعل السيارة جزءًا مركزيًا من الهوية اليومية للأفراد.

الإنفاق هنا ليس ترفًا بقدر ما هو انعكاس لطبيعة المدن السعودية واحتياجات التنقل فيها، وهو أيضًا تعبير عن سلوك استهلاكي يرتبط بالإيقاع السريع للحياة، والالتزامات الوظيفية، والرحلات العائلية المتكررة.

أما الملابس والاكسسوارات التي سجلت 40 مليار ريال، فهي قطاع يكشف الكثير عن طريقة تفكير المستهلك السعودي. فبين العروض الموسمية الكبيرة، والاعتماد المتزايد على التجارة الإلكترونية، وتنافس العلامات التجارية العالمية والمحلية، يبدو أن المستهلك أصبح أكثر انتقائية، يشتري أقل لكن يختار أكثر، ويبحث عن الجودة قبل الكمية.

هنا يظهر وعي جديد تشكّل خلال السنوات الأخيرة، حيث يتراجع استهلاك الاندفاع لصالح استهلاك محسوب وموجّه، يتناسب مع الذوق الشخصي والتوجهات العصرية.

وتتوزع نسب أقل من الإنفاق على الأثاث المنزلي بـ18 مليار ريال، ومواد البناء والتعمير بـ16 مليار ريال، والمجوهرات بـ14 مليار ريال.

هذه الأرقام لا تعني أن المستهلك لا يهتم بهذه القطاعات، بل تعكس طبيعتها غير اليومية. فهي مشتريات ترتبط بمحطات معينة: الزواج، الانتقال لمسكن جديد، تحسينات منزلية، أو رغبة في الاستثمار عبر الذهب والمجوهرات.

ومع ذلك، فإن استمرار هذه الأرقام عند مستويات مستقرة يدل على أن المستهلك لا يزال ينظر إليها كعناصر قيمة وضرورية، حتى لو كانت خارج نطاق الصرف المتكرر.

عند محاولة قراءة هذا المشهد بعمقه، يمكن القول إن المستهلك السعودي اليوم يتحرك بين ثلاث رغبات أساسية: البحث عن الراحة، والسعي نحو الجودة، والرغبة في التجربة.

وهو ما يفسّر لماذا يتقدم الإنفاق على الطعام والمقاهي، ولماذا يرتفع الإنفاق على الخدمات والصحة، ولماذا يحافظ الإنفاق على الملابس والمستلزمات الشخصية على مستواه دون مبالغة. فالسعوديون يعيشون اليوم نمط حياة حضري حديث، يوازن بين العمل والدراسة والترفيه، ويبحث عن حلول سريعة، ويثمّن الوقت، ويستثمر في التجارب الاجتماعية.

وما يميز السلوك الاستهلاكي في المملكة أنه في حالة تشكّل متواصل. فجيل الشباب الذي يشكل أكبر شريحة سكانية يقود هذه التحولات، باندفاعه نحو التجربة، وتفاعله مع العلامات التجارية، وسهولة تأثره بالمنصات الرقمية، إلى جانب تطور دخل الأسر، وازدياد الخيارات الاقتصادية المتاحة، وارتفاع جودة الحياة.

كل ذلك يخلق سوقًا نابضة بالحركة، تُظهر أرقامها أن الاستهلاك ليس مجرد نمط شراء، بل هو تعبير عن أسلوب حياة جديد في مجتمع يتغير بسرعة ويعيد تعريف أولوياته.

وبذلك يمكن القول إن تقرير نقاط البيع للعام 2025 ليس مجرد عرض لأرقام مالية، بل هو مرآة لنبض المجتمع السعودي اليوم: مجتمع يعيش تحولاته بثقة، ويعيد رسم علاقته بالاستهلاك وفق مزيج من الانفتاح، والوعي، والرغبة في صنع تجربة يومية أكثر سلاسة ورفاهية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد