عماد الدين حسين
حتى إذا وافق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على إدخال تعديلات على خطته بشأن تسوية الأزمة الأوكرانية، فإن ذلك قد لا يكون مرضياً لأوكرانيا وأوروبا، لأنهم يعتقدون أن جوهر الخطة يميل بشدة لصالح روسيا. خطة ترامب المكونة من 28 بنداً، وتم تقليصها إلى 22 فقط، لا تزال تجد معارضة خافتة حيناً، وعلنية أحياناً من أوكرانيا وأغلبية الأوروبيين، وتحديداً الدول الثلاث الكبرى فرنسا وبريطانيا وألمانيا، لأنها تراها ظالمة لأوكرانيا.
الكثير من وسائل الإعلام الأوروبية، تعتقد أن جوهر خطة ترامب لا يختلف كثيراً عن «اتفاق ميونيخ»، الذي وقعه المستشار الألماني الأسبق، أدولف هتلر، مع بريطانيا ودول أوروبية في 30 سبتمبر 1938، وكان نتيجته تشجيع هتلر على مهاجمة الدول الأوروبية، حتى انتهى بمحاولته احتلال بريطانيا بعد أن احتل فرنسا بالفعل، ووصل إلى مناطق كثيرة في روسيا.
الدول الأوروبية تحاول جاهدة مع أوكرانيا تعديل بنود الخطة كي تجعلها متوازنة، وروسيا تصر على النسخة الأمريكية الأولى، وهناك شكوك أوروبية بوجود تفاهمات روسية أمريكية على قواعد عامة لن يتم التراجع عنها، وأهمها سيطرة روسيا على غالبية إقليم الدونباس وشبه جزيرة القرم، وعدم دخول أوكرانيا في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بل وعدم تمدد الحلف على الحدود الروسية.
ومن خلال تصريحات الأطراف المختلفة، يبدو أن ترامب قد تبنى فعلاً أغلبية المطالب الروسية.
ترامب قال إن الخطة قابلة للتعديل في محاولة لتهدئة مخاوف أوكرانيا وأوروبا، لكنه رفض مقابلة الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلنسكي، إلا بعد أن يوافق على خطته المعدلة، وأخطر تهديد وجهه ترامب للأوكرانيين والأوروبيين قوله: «عدم قبول الخطة يعني أن هذا النزاع يسير في اتجاه واحد، هو أن الأرض الأوكرانية قد تصبح روسية في نهاية المطاف، فالوضع الراهن ملائم جداً لروسيا، التي تواصل تحقيق أهدافها بالقوة، وعلى أوكرانيا وحلفائها الصحوة من أوهامهم بأنهم سيهزمون روسيا». يضيف ترامب: «إذا رفضت أوكرانيا خطتي فإن سيناريو مدينة كوبيانسك سيتكرر في مدن أخرى»، أي مزيد من السيطرة الروسية على أراضي أوكرانيا.
الأوروبيون والأوكرانيون يتهمون ترامب بأنه منحاز إلى روسيا، لكنه يرد بقوله، إن الروس قدموا تنازلات كثيرة، وأكبر تنازل قدموه هو قبول وقف إطلاق النار، والكف عن السيطرة على المزيد من الأراضي الأوكرانية. الأوروبيون يجاهدون لمحاولة تعديل خطة ترامب، وقدموا بالفعل مقترحاً مضاداً، وأهم بنوده حذف أي إشارة إلى تنازلات إقليمية، في حين أن الخطة الأمريكية تعترف صراحة بأن إقليم الدونباس، الذي يضم دونيستك، إضافة إلى لوغانسك وشبه جزيرة القرم هي مناطق روسية، ما يعني أن أوروبا لا تمانع عملياً من استمرار السيطرة الروسية، لكنها لا تريد أن يكون ذلك مكتوباً في وثيقة رسمية.
الأوروبيون يقترحون تخفيف الصياغة المتعلقة بمنع تمدد حلف الناتو في أوروبا، كما تطالب أوروبا بوقف إطلاق النار قبل تحديد تبادل أراضٍ، وأن يكون خط المواجهة الحالي أساساً لأي مفاوضات مستقبلية، في المقترح الأوروبي المضاد إلغاء البند الداعي لإجراء انتخابات في أوكرانيا بعد 100 يوم، على أن يتم استبدالها بنص يقول: «في أقرب وقت ممكن بعد توقيع اتفاق السلام».
تقترح أوروبا أيضاً أن يكون حجم الجيش الأوكراني 800 ألف جندي في زمن السلم مقارنة بـ 600 ألف في خطة ترامب. تقول أوروبا، إن أخطر ما في خطة ترامب هو قبول تغيير الحدود بالقوة، وإن الحل لذلك يتمثل في ضرورة وجود ضمانات أمنية دولية واضحة لأوكرانيا، وعدم الاعتراف بمنطق القوة، والرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، أعلن عن إنشاء «تحالف الراغبين» لوضع قائمة بالضمانات الأمنية لأوكرانيا تكون متينة وموثوقة وليست وعوداً على الورق، لكن رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، يقول إن زيلنسكي وافق على معظم بنود خطة ترامب، وهو ما أكده الكثير من المسؤولين الأمريكيين.
وفي المقابل، فإن ترامب يبدو مصمماً على جوهر خطته رغم مرونته الظاهرية ومعارضة بعض أعضاء حزبه الجمهوري، وهو رفض تقديم أي ضمانات أمنية لأوكرانيا، ومنها المساعدات العسكرية قبل التوصل إلى اتفاق سلام.
المشكلة أن كل طرف من الأطراف يتحدث بمنطلق مختلف تماماً. بوتين يقول إنه لا يمكن تحقيق السلام إلا بانسحاب أوكرانيا من الأراضي التي تسيطر عليها في إقليم الدونباس، وأن خطة ترامب تشكل أساساً للتسوية النهائية، وفي حال رفضت أوكرانيا وأوروبا هذه الخطة، فعليهم أن يفهموا أن الأحداث التي وقعت في كوبيانسك ستتكرر حتماً في قطاعات أخرى من الجبهة، ورغم أن هناك تبايناً بين مواقف الأطراف، فلا يمكن استبعاد أن نتفأجا قريباً بالإعلان عن التوصل إلى مبادئ اتفاق سلام يوقف هذه الحرب، وأن بوتين المنتشي بتحقيق انتصاراته الميدانية في الأيام الأخيرة يبدو باعتباره أكبر الرابحين من خطة ترامب ما لم تحدث مفاجآت عكسية.

