: آخر تحديث

لماذا تغيّر صديقي بعد أن أصبح مديراً؟

0
0
0

محمد ناصر العطوان

لنتحدث اليوم عزيزي القارئ عن ظاهرة تغيّر الأشخاص بعد الترقي الوظيفي، عن ذلك الصديق الذي أصبح مديراً... ونجيب على سؤال لماذا يتحوّل الأصدقاء إلى زملاء عندما يصلون للمنصب؟ أدخل برجلك اليُمنى لهذا المقال وسمي الله، وأهلا بك في قسم تحوّلات المنصب!

يقول لي أحدهم «لقد كان صديقي العزيز... حتى أصبح مديري المباشر!».

تخيل معي... ذلك الصديق الذي كنت تشاركه صمونة الهمبرغر على الغداء وتتحدث معه عن مشاكلك الشخصية، فجأة يصبح «سعادة المدير» والذي لا يمكن مناداته باسمه الأول! لماذا يحدث هذا التحوّل المأسوي؟!

يجيب عن هذا السؤال أبحاث كلية هارفارد للأعمال في تحولات القيادة، ودراسات معهد القيادة الإدارية في الشرق الأوسط وأبحاث في علم النفس التنظيمي من جامعة ستانفورد.

في البداية ولكي لا نظلم «الرجل» فما حدث معه ليس غروراً بل ظاهرة نفسية... وتأثير المنصب على الدماغ، لأن المناصب القيادية تغير كيمياء المخ، فحسب التفسير العلمي أن المنصب يزيد إفراز التستوستيرون وتقلل الكورتيزول، مما يؤدي إلى ثقة زائدة قد تظهر كغرور.

في بحث ممتع للسلوك التنظيمي، 68 في المئة من المترقين حديثاً يغيرون سلوكهم مع رفاقهم القدامى، و42 في المئة يعترفون بأنهم «يشعرون بعدم الارتياح» في التعامل القديم، وذلك بسبب أن المنصب يعزّز ما يُسمى «الفجوة النفسية الاجتماعية»، والشخص يشعر بأنه يجب «تمثيل الدور» وليس «أن يكون نفسه».

يُجيب علم الاجتماع عن سؤال لماذا يحدث هذا التحوّل؟ وهل هذا التحوّل خيانة للصداقة أم التزام بالدور؟ حسب نظرية الأدوار الاجتماعية (Social Role Theory) فإن كل دور اجتماعي له توقعات سلوكية، لذلك فالمدير «مفترض» أن يكون حازماً، متباعداً، موضوعياً، ولكن المفارقة أن هذا التباعد يفسره الآخرون على أنه تكبّر وغرور.

ولا تعتقد عزيزي القارئ أن الشخص الذي أصبح مديراً لا يعيش صراع هوية، فإن 75 في المئة من المدراء الجُدد يعانون من صراع بين «شخصيتهم القديمة» و«دورهم الجديد»، ويضطرون أن يختاروا الانحياز للدور الجديد لحماية موقعهم.

أحمد ومحمد، صديقان أصبحا رئيساً ومرؤوساً، قبل الترقي... سفر معاً، عشاء مسائي في الديوانية، نصائح شخصية، ولكن بعد الترقي... «سعادة المدير»، اجتماعات رسمية، محادثات عمل فقط... النتيجة كانت أن صداقة 15 سنة انتهت في 15 يوماً!

أما فاطمة وشيخة... من زميلتين إلى موجهة فنية ومعلمة، قبل الترقي كان بينهما تبادل أسرار العمل، وشكاوى من الإدارة المدرسية والتوجيه الفني، ودعم متبادل، وبعد الترقي أصبحت هناك حدود واضحة، اجتماعات رسمية، تقييم أداء... في النهاية صدمة واتهامات بـ«نسيان الأصول».

عزيزي القارئ، إن هذا التحوّل لا يحدث مع الجميع، فهناك عوامل مؤثرة تجعل البعض يتغير أكثر من الآخر، فغالباً ستجد هذه الظاهرة منتشرة في المؤسسات التقليدية التي تفرض تباعداً أكبر بين المدراء والموظفين، أما في بعض الشركات والمؤسسات الحديثة فإنها تشجع على بيئة عمل غير رسمية.

كذلك شخصية الفرد، فعادة ذوو الثقة المنخفضة يميلون للتمسك بالرسميات أكثر، بينما ذوو الثقة العالية يحافظون على سلوكهم الطبيعي.

ولا ننسى نوع الصلة السابقة، فكلما كانت الصداقة عميقة يصبح التحوّل أكثر إيلاماً، وكلما كانت العلاقة سطحية فإن التحوّل أقل تأثيراً.

مرة أخرى لا نريد أن نظلم الأشخاص الذين أصبحوا مدراء، ففي الواقع الثمن يدفعه الجميع، فالشخص المترقي يعيش العزلة الاجتماعية والضغط النفسي وصراعاً داخلياً بين الدور والهوية...أما المحيطون فيشعرون بخيبة أمل وشعور بالخيانة وفقدان الثقة... أما على مستوى المؤسسة فيظهر انخفاض الروح المعنوية و تآكل الثقة بين الفرق وبيئة عمل متوترة.

ولكي لا ندور في دائرة مفرغة فعلينا أن نتساءل كيف نتعامل مع هذه الظاهرة؟ في البداية يجب أن يعترف الشخص المترقي بالتحوّل والتغير، وألا يبالغ في الرسمية ولا في الودية، وأن يشرح لأصدقائه تحديات موقعه الجديد.

أما الأصدقاء والزملاء الذين يتهمون المترقين بالخيانة ونسيان الأصول، فعليهم أولاً الفهم قبل الحكم لأن الموقف صعب على الطرفين، وأهمية إعطاء مساحة التغيير والحفاظ على الاحترام دون التخلي عن الكرامة.

استوقفني عزيزي القارئ في أحد البحوث أن هناك مؤسسات تضع برامج إعداد للمدراء الجدّد ومنها كيفية إدارة العلاقات القديمة.

في النهاية دعونا نتفق أن التحوّل ليس خيانة... بل تحدٍ قيادي! وأن التغير في الحياة حتمي ولكن يمكن إدارته، كذلك الفهم المتبادل يخفف الآلام، والأهم أن الوعي هو مفتاح التعامل مع الظاهرة... وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد