: آخر تحديث

بدعة النزاهة

0
0
0

ثورة أم انقلاب؟ ما زال العراقيون بعد ستة عقود ونيّف مختلفين على توصيف ما حدث في ذلك اليوم الصيفي القائظ من عام 1958. وفيما يخص الذين شهدوا تلك الفترة، فلا أظن أن حدثاً علق بذاكرتهم مثله. يحفظ كل عراقي وعراقية لحظة تلقيه الخبر وما رافقه من مشاعر بهجة أو حزن، أو كليهما. ذكرى كأنها وقعت في الأمس القريب. أما الأجيال التالية فلربما يكون غزو الكويت هو الخبر الأكثر حضوراً في البال.

عادة ما تبدأ الرواية هكذا: «كنا نائمين على السطح حين أيقظتني أمي وهي تقول كلاماً لم أفهمه. نزل أبي إلى الشارع وجاء أبناء عمي على دراجاتهم. وكان الراديو يذيع نشيد: الله أكبر فوق كيد المعتدي. ثم سمعنا البيان الأول».

لو عاش الزعيم عبد الكريم قاسم لكان اليوم قد قطع المائة عام. هو من مواليد العشر الأواخر من نوفمبر (تشرين الثاني) 1914. صورت كاميرات التلفزيون وقائع إعدامه في استوديو الموسيقى بإذاعة بغداد. مشاهد بشعة تكرر بثها مع أغنية هزلية لشكوكو: «أهلاً وسهلاً بالزعيم الهمشري».

مثلما اختلف المؤرخون حول كونها ثورة أم انقلاباً، اختلفوا على شخصية الزعيم. هناك من رفعه قمراً في السماء، وهناك من هبط به أسفل سافلين. ومهما قيل عنه فإن الكل يتفق على أنه كان نزيهاً. هناك صورة شهيرة له وهو ينام مفترشاً الأرض في مكتبه بوزارة الدفاع.

يستعاد قاسم ونزاهته لأنها الفضيلة الأبعد عن حكام البلد الحاليين بسنين ضوئية. ينامون في القصور والمنازل التي نام فيها رموز العهد السابق. يرقدون على أسرّة الرفيق فلان ويغطسون في مسبح الوزير علان. وهناك سلطة رقابية لم تُعرف من قبل تحمل اسم هيئة النزاهة والكسب غير المشروع. وهذه تستدعي ضحكاً كالبكاء. ويقولون لك إن نوري السعيد وعبد الكريم قاسم لم يمدا الأيدي إلى المال العام، لأن واردات الدولة كانت شحيحة، ولم تكن ثقافة النهب شائعة. عذر أقبح من ذنب.

وفقدان القيم هو «أكرث» ما يمكن أن يصيب المجتمعات. و«أكرث» مشتقة من «كارثة». وحين يذهب المواطن لانتخاب مرشح اشتهر بفساده فتلك من الدواهي. والأدهى أنه ليس واحداً، مثل «الزعيم الأوحد». هم مئات وآلاف يسيرون طواويس في مناطقهم المحروسة جيداً، تتبعهم أفواج الحماية المدجّجة والسيارات المصفّحة. كائنات عجيبة تُدار من الخارج، ملكتْ كل شيء إلا الحسّ الوطنيّ. عصابات فكّكت البلد وتبيعه خردة. جامعات يتولى التدريس فيها أساتذة مزيفون اشتروا شهاداتهم بالفلوس الحرام. مراكز تجارية ومطاعم خيالية لتبييض أموال المخدرات. حيتان تبرع في شراء الضمائر. أحزاب طائفية مقيتة، ومحاصصة يغمض عينه عنها الداعم الكبير المؤمن بالديمقراطية. كلام مكرر يتداوله أبناء الشعب المبتلى لعل في الإعادة إفادة.

نعم، بغداد عروس وأربيل روعة والموصل ربيع والبصرة ورع. أصباغ زينة تُموّه ولا تستر.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد