حزب العمال البريطاني كان يوماً من أهم المدارس السياسية في العالم، يحمل مشروعاً فكرياً واجتماعياً برؤية تصنع المستقبل. حزب سعى إلى تنمية العدالة، وتأسيس الرعاية الاجتماعية، من منظومة صحية وتعليمية صارت نموذجاً يحتذى به. واليوم قيادته ترى الدولة مجرد دفتر حسابات، والمجتمع ساحة جمع جباية. ذهبت الرؤية، واختفى المشروع، وبقيت آلة جمع الضرائب يديرها موظف في يده ختم «تم التحصيل».
في قلب هذه المفارقة تقف وزيرة المالية التي اكتسبت لقباً قاسياً في سخريته «رايتشيل من قلم الحسابات» الذي يطلقه الصحافيون وخبراء الاقتصاد والمال؛ لأنه يصف سلوك وزيرة لا ترى الاقتصاد ككيان حيوي يحتاج إلى التفكير والتخطيط، بل كدفتر سجلات يحتاج إلى أختام وحاسبة آلية وقلم أحمر. تتعامل مع خامس أكبر اقتصاد في العالم كما لو كان ميزانية كافيتريا مصلحة حكومية، وتظن أن الهدف جمع المال لذاته، لا كوسيلة لتنمية الاقتصاد وبناء المستقبل.
وعد «العمال»، بزعامة كير ستارمر، قبل الانتخابات بتنمية الاقتصاد، ورفع المعاناة عن الطبقة المتوسطة، وزيادة الاستثمار، وتخفيف أعباء المعيشة.
وفي الحكم؟ ظهرت حقيقة «العمال»: 26 مليار جنيه ضرائب إضافية بلا تخصيص جنيه واحد للنمو. لا مصانع، لا تكنولوجيا، لا خطط إنتاجية. فقط جباية تُلقى في فم جهاز حكومي مترهل يستهلك المال بسرعة امتصاص الرمل الماء.
فبجانب نكث الوعود الانتخابية، انقلب نظام «ستارمر - ريفز» على الطبقات الوسطى التي انتخبته، فسياسة تجميد حد الإعفاء الضريبي ستؤدي بالأسرة ذات دخل 35 ألف جنيه سنوياً إلى خسارة 1400 جنيه كل عام. تحول شعار «الدفاع عن الناس العاملين» إلى عملية سحب ممنهجة لجيوبها، بينما تسوّق الوزيرة هذه الكارثة باعتبارها إصلاحاً «عادلاً».
أما الطامة الكبرى فهي ما يحدث خلف الأبواب المغلقة. بريطانيا تشهد نزيفاً غير معلن لرأس المال. خلال العام الماضي وحده غادر البلاد أكثر من 10 آلاف و800 من أصحاب الثروات الكبيرة والمستثمرين. هذه ليست مجرد أسماء تختفي من قوائم النوادي الاجتماعية، بل شريان تمويل يهرب إلى الخارج. كل ثري يغادر البلاد يعادل ما يدفعه 49 مواطناً من الطبقات الوسطى من ضرائب، أي أن الفاقد الحالي للخزانة من هروب الأثرياء في عام يعادل ضرائب نصف مليون مواطن، إنها ضربة لا تظهر في بيان الخزانة اليوم، لكنها ستظهر غداً على شكل عجوزات أكبر وخدمات أقل؛ لأن الثروة حين تغادر، تأخذ معها الأعمال، والخبرات، والاستثمارات، والضرائب.
ولأن كل سياسة سيئة ترافقها كارثة، فمثلاً الضرائب العقارية الجديدة (2500 – 7500 جنيه سنوياً على مبانٍ تفوق قيمتها المليونين). الحجة ملاحقة «الأثرياء» لتحقيق العدالة، لكنها في الحقيقة تستهدف الاستثمار ذاته. العائد من هذه الضرائب لا يتجاوز 400 مليون جنيه، وهو مبلغ تافه مقارنة بـ26 ملياراً ضرائب جديدة؛ ورغم ضآلته، فنتائجه مدمرة: الملاك سيرفعون الإيجارات لتعويض التكلفة، بعضهم سيغادر السوق فينكمش عرض الوحدات السكنية، الأسعار سترتفع والمستأجر يدفع الثمن. والأسوأ أن مؤسسات إنسانية، مثل دور الأيتام والمستشفيات الخيرية والمدارس، التي لم تنشأ أصلاً لتحقيق أرباح، مقارها عقارات أثمانها تجاوزت المليونين، ما يهدد تقديمها لخدمات اجتماعية لذوي الحاجة.
وسط هذه الفوضى، تسربت بنود الميزانية قبل إعلانها الرسمي، في واقعة كانت في أيام بريطانيا الجادة كافية لإسقاط الحكومة. وزراء في الأربعينات والخمسينات فقدوا مناصبهم بسبب تسريب سطر واحد. أما اليوم فـ«رايتشيل من قلم الحسابات» لا تسرب سطراً، بل تسرب ميزانية بأكملها، ثم تدخل البرلمان بثقة من اكتشف ميزانيته على الموقع الإلكتروني مثل بقية المواطنين.
بهذا الأسلوب، لم تعد بريطانيا دولة تصنع النمو، بل دولة تجري وراء الضرائب. لم تعد حكومة تمتلك مشروعاً، بل إدارة حسابات بموظفة نشيطة لا تعرف الفرق بين اقتصاد أمة وبين كشف رواتب. إن إخفاق الوزيرة ليس لأنها فرضت ضرائب، بل لأنها نسيت ما هي الدولة أصلاً. الدولة ليست دفتر جرد. الاقتصاد ليس خانة. المستقبل لا يُبنى بالحبر الأحمر.
لقد نجحت الوزيرة في تحقيق إنجاز تاريخي: لم تُسقط الاقتصاد بضربة واحدة، بل قتلته ببطء، كما تقتل الأتربة والرطوبة الدفاتر القديمة. وهكذا لم يعد السؤال: إلى أين تتجه بريطانيا؟ بل أصبح: كم تبقى من الوقت قبل أن يتحول الاقتصاد بكامله إلى ملف محفوظ في أدراج قلم الحسابات؟
وعندما تُدار دولة بعقلية موظفة تجيد ختم الأوراق أكثر مما تجيد صنع السياسات، لا يحدث الانهيار بضجيج، بل يحدث بصمت... يبدأ بسطر، وينتهي عند آخر صفحة.

