: آخر تحديث

المرآة لا تُخيف من عاش بين الحديد والنار

2
2
3

ثمة رجالٌ لا تقيسهم الملامح حين تتعب، ولا تُعرّفهم العثرات حين تباغت الجسد، لأنهم ببساطة خُلقوا في الجهة التي يتحول فيها الألم إلى اختبار لا إلى نهاية!

حين حاول المرض أن يتسلل كقاتلٍ صامت إلى الداخل، لم يجد روحًا قابلة للانكسار، بل اصطدم بشيء أشبه بحصنٍ قديم؛ رجلٍ لم يتعلم يومًا فن السقوط، لأن السقوط بالنسبة إليه لم يكن خيارًا واردًا، بل إهانة لا تليق بتاريخٍ صاغته المواجهات.

وقف أمام المرآة لا كما يقف المنهزمون لعدّ خسائرهم، ولا كما يتفقد الخائفون ما سرقه منهم الزمن، بل كما يقف محاربٌ خرج من أتون معركةٍ شرسة، يتأمل درعه المشقوق بعين القائد، لا ليسأل أين ضُرب، بل ليقرر أي الضربات فشلت في إسقاطه.

لم يكن الوجه المتعب انعكاس ضعف، بل وثيقة صمود.

لم تكن الخطوط الطارئة سوى خرائط اشتباك.

ولم تكن الندوب المؤقتة إلا تواقيع معارك أخطأت القلب.

حتى المرآة نفسها، تلك الشاهدة الباردة، بدت كأنها للمرة الأولى لا تعكس رجلًا، بل تعكس إرادة.

إرادة من ذلك النوع الذي يجعل السؤال الحقيقي ليس: هل أنهكه التعب؟

بل: كم مرة حاولت الحياة كسره وفشلت؟

فهذا ليس من سلالة الذين صنعتهم الرفاهية، ولا من أولئك الذين ربّتهم المناطق الآمنة.

هو من طينةٍ أخرى، طينة الرجال الذين لا تصنعهم المكاتب ولا الألقاب، بل تصنعهم الحواف الحادة للأزمات، والممرات الضيقة بين الموت والقرار.

بينما كان العالم يتقن فن الاختباء خلف الخوف، كان هو ممن اعتادوا النظر في وجه الخطر حتى فقد الخطر هيبته.

وحين كانت الفوضى تُربك أممًا بأكملها، كان يعبرها بعقلية من يعرف أن الذعر رفاهية لا يملكها من اعتاد ميادين الحقيقة.

لم يكن عابرًا للحروب، بل واحدًا من أولئك الذين دخلوا قلبها بما يكفي ليعرفوا أن النار، مهما اشتدت، لا تحرق الجميع بنفس الطريقة.

رأى الانهيار عن قرب، واختبر هشاشة البشر حين تسقط الأقنعة، وعاد في كل مرة لا أقلّ، بل أصلب.

كأن المعارك لم تكن تستنزفه، بل تعيد تشكيله على هيئة أكثر قسوة، وأكثر وضوحًا.

لهذا، حين جاء المرض متأخرًا، متوهمًا أنه الخصم الذي عجزت عنه الكوارث، ارتكب خطأه الاستراتيجي الأكبر.

قرأ الجسد، وأخطأ فهم الإرادة.

ظن أن تباطؤ العضلة يعني تراجع الروح، وأن بعض الارتباك في الملامح قد يساوي انكسارًا داخليًا.

لكنه لم يفهم قاعدة الرجال الحقيقيين:

بعضهم إذا تعثر الجسد، تقدمت الإرادة لتكمل المعركة وحدها.

هناك من يتعامل مع المرض كحكمٍ بالإطفاء.

أما هو، فتعامل معه كجولة إضافية.

خصم جديد، لا أكثر.

رقم آخر في سلسلة طويلة من التحديات التي جاءت كلها بالوهم نفسه، وغادرت بالحقيقة نفسها: أن هذا النوع من الرجال قد يتألم، لكنه لا ينحني.

لقد أدرك ما يفشل كثيرون في فهمه:

القوة ليست ألا تُصاب، بل ألا تمنح الإصابة شرف تعريفك.

ليست ألا تنزف، بل أن تعرف كيف تنزف دون أن تمنح خصمك مشهد انتصار.

ولهذا لم يقف يومًا أمام أوجاعه بسؤال الضعفاء: لماذا أنا؟

بل بسؤال يعرفه التحدي جيدًا: أهذا كل ما لديك؟

في زمنٍ يتراجع فيه كثيرون عند أول اختلال، أعاد تعريف الصلابة بمعناها الأكثر تجردًا:

أن القوة ليست في جسدٍ لا يتعب، بل في قرارٍ لا يلين.

ليست في وجهٍ لا يتغير، بل في هيبةٍ لا تسقط.

فبعض الرجال لا يُقاسون بسلامة المظهر، بل بقدرتهم على حماية الجوهر حين يحاصر التعب التفاصيل.

إنه من أولئك النادرين الذين إذا ضاقت بهم العاصفة، لم يبحثوا عن مأوى، بل عن اتجاه الهجوم.

رجالٌ لا تخيفهم الغيوم، لأنهم قضوا أعمارهم في قلب الإعصار، حتى صار الرعد بالنسبة إليهم مجرد ضجيجٍ مألوف.

ربما أبطأه المرض لحظة.

لكنه لم يوقف المسير.

ربما ترك أثرًا.

لكنه فشل في انتزاع الهيبة.

وربما فرض مواجهة مختلفة مع الذات.

لكنه نسي أن بعض المواجهات لا تكشف الضعف، بل تكشف الأسطورة.

لأن الحقيقة التي تتكرر، بالرغم من كل شيء، تبقى واحدة:

أن الرجال الذين عبروا النار طويلًا، لا تُسقطهم شرارة.

وأن من عاش عمره داخل العاصفة، لا تهزمه غيمة.

فبعض القمم قد يلفها الضباب أحيانًا، لكنها تبقى قممًا، حتى حين لا يراها أحد!

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.