يتأمل المواطن اللبناني في المشهد السياسي الذي يعيشه لبنان والحافل بظاهرة التصريحات الواخزة من هذا الطيف ضد أخيه في الوطن، ويتساءل: أليس ما يُجدي هو أن الذين يتبادلون عبر الهواء وتجنّن المواقع بما تحويه في معظم الأحيان من عبارات مسيئة، يمسك هذا الطيف بهاتفه ويتصل بالطيف الآخر ويتبادل الاثنان بعد التحية القول من المجدي أن نلتقي ونتحادث إلى درجة المصارحة بدل أن يقول طيف ما هو صادم بعض الشيء قوله، ويردّ عليه طيف آخر بما هو صدمة كاملة الأوصاف.
وحتى لا يبدو أن ما نقوله ألغازًا تحتاج إلى تفسير، فإن الإيحاء بهدوء يرى أن يقوم الأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم كما سائر المقامات السياسية والحزبية بزيارة الرئيس جوزف عون المؤتَمَن على الدستور وعلى مصالح البلاد والعباد في قصر جمهورية البلاد من جنوبها إلى شمالها ومتونها ومعرابها مرورًا بضاحيتها الجنوبية إلى بقاعها مع وقفة استثنائية في بيروتها التي تنزف اجتماعيًا واقتصاديًا. بيروت ساحة الشهداء والكنائس المجاورة للمساجد. وفي قواعد الأصول إن الإيحاء بالزيارة يُلبّى مع الشكر وإن التلبية تكون في مستوى المكانة. وعند اللقاء يقال الكلام بكل الوضوح ولا يبقى كما الحال الآن شعبويًا من جهة وموقفًا مسؤولًا من الدولة من جهة أخرى.
وكمواطن أتصور أن مثل هذا اللقاء كفيل بتبريد متدرج في التعبير عن القول الفعْل وعن رد الفعل بحيث لا تبقى الحرارة في مرتبة فوران التعبير.
وللمناسبة أتساءل كمواطن يتابع كصحافي وكاتب حول المسيرة السياسية اللبنانية كجزء من المتابعة للشؤون العربية، لماذا إلى الآن لم يوجِّه النظام الإيراني دعوة إلى الرئيس عون للقيام بزيارة طهران كما الزيارات التي قام بها لعواصم عربية وأجنبية. وإذا كانت هذه الزيارة الإيرانية قد تساعد في موضوع سلاح حزبها اللبناني أو على الأقل تشكِّل مدخلًا للحل وبحيث إن النظام الإيراني يرتئي الأخذ بصيغة توافقية كأن يصبح السلاح في عهدة الجيش اللبناني. إذا كانت الزيارة تساعد فلماذا لا تتم.
ومن هنا قد تكون الزيارة إلى إيران بداية حوار رئاسي لبناني - إيراني لمصلحة الجميع.
عدا ذلك ستبقى القضية برسم التلاسن، والتفكك، وهذا ما لا يُرضي رب العالمين.
ويبقى استكمالًا لمقال الخميس الماضي المعنون "الدور المأمول حدوثه من المرجعيات الروحية" استحضار فقرة مهمة من كلام المفتي الشيخ حسن خالد للمبعوث الأميركي دين براون يوم 3 نيسان (أبريل) 1976 وبالذات السطور الآتية التي ترجمها إلى الإنكليزية الدكتور حسن صعب، ذلك أن أهمية الفقرة أنها تتعلق بالقضية الفلسطينية ومدى الحرص اللبناني عليها قبل الحرص الإيراني ومن قبل ثورة الخميني ونشر مشروعه في المنطقة. والفقرة بالنص الآتي:
"نحن لا نقول لا بد من حل القضية الفلسطينية أولًا. طبعًا لا. ولكن أحب أن أقول إن أميركا كشعب يحمل شعار الحرية (تمثال الحرية) أنا أستغرب وأتساءل: أميركا الشعب الحر الأبي الذي يرغب في أن يكون شعبًا عادلًا ويرغب في أن تكون الشعوب الإنسانية مثله، أتساءل لماذا تقف أميركا في وجه قرار الأمم المتحدة في مجلس الأمن في الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية المطالِبة بحرية الشعب الفلسطيني، وتضع الفيتو على القرار؟ ولكن أحب أن أقول استطرادًا إنني مع الموافقة على ما قال (براون)، أعتقد بأن تأجيل الحل الفلسطيني مع تعجيل الحل اللبناني لن يُربِحَ أحدًا، لا اللبنانيين ولا العرب ولا العالم، ما دام هناك فلسطينيون يشعرون بأنهم مسلوبو الحقوق أرضًا وحضارة ورزقًا. لذلك أرجو أن نعمل بسرعة على حل المسألة الفلسطينية حلًا عادلًا، فأنا أعتقد أن من مستلزمات النظرية الأميركية الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية منظمة تناضل من أجل حرية الشعب الفلسطيني وحقه في الحياة. وهذا يساعد على تحقيق السلام ليس في لبنان ولا المنطقة فقط وإنما في العالم بأسره. أنا أحب أن أقول، لا على سبيل التحدي وإنما على سبيل تقرير الواقع، إن الشعب العربي كله إلى جانب الشعب العربي الفلسطيني، سيقاتل كما قاتل الصليبيين لاستعادة حقه في هذا الوقت الذي أصبحت فيه حقوق الإنسان شيئًا بديهيًا في العالم أجمع".
هل نقل براون كلام المفتي حسن خالد إلى رئيس البيت الأبيض. وهل تركت رؤية المفتي تعديلًا في الموقف الأميركي؟
ما يعيشه لبنان والقضية الفلسطينية من جانب رئيس أميركا زمنذاك والذين تعاقبوا بعده وأحدثهم الحالي الرئيس ترامب، يوضح أن الموقف الأميركي من سيئ إلى أسوأ. وقانا الله من بعد الأسوأ.
والله الشاهد والعدل.


