: آخر تحديث

أسيل.. التي خطفتني من الطائرة الورقية

0
0
0

كنت أجهز حقيبتي لسفر أسبوعين، وكنت قبلها بيومين قد بدأت بقراءة «عداء الطائرة الورقية» The Kite Runner، للروائي العالمي، الأفغاني الأمريكي د.خالد حسيني، والذي تحول تالياً لفيلم ناجح، وتعتبر الرواية أول وأفضل ما كتب حسيني، وسبق أن قرأتها بالإنكليزية قبل ربع قرن، وهذه المرة وجدتها بالعربية على «كندل»، الذي تحولت لاستخدامه لقراءة مختلف الكتب، باللغتين، بدلاً من الكتاب الورقي، فالجهاز سهل الحمل والتصفح، ولا يحتاج لمصباح ليلاً، ووزنه خفيف، مقارنة بأي كتاب، ويمكن من خلاله معرفة معاني وأصول الكلمات، وترجمتها. كنت بالفعل في غاية الاستمتاع بقراءة «عداء الطائرة الورقية»، التي نسيت تفاصيلها وحبكتها، لكنها بقيت عالقة في ذاكرتي، فهي سلسة وحبكتها متقنة، وبها الكثير من تاريخ أفغانستان، في الفترة من 1973، بعد انقلاب داود خان، على قريبه الملك ظاهر شاه، وإلغاء النظام الملكي، وغزو الروس لها، وحروبها الأهلية، وقصص المجاهدين، ووصول طالبان للحكم، بعد طرد الروس، وغير ذلك من أحداث سبق أن عشنا تفاصيلها.

جمال الرواية دفعني للتروي أكثر في قراءتها، وكنت أبخل على نفسي ولا أستمر في القراءة طويلاً، كي لا تنتهي، أو أعيد قراءة بعض فقراتها.

أثناء ترتيب حقيبة السفر أحضرت العاملة في البيت ظرفاً فتحته فوجدت بداخله رواية «غيمة وكواسر» لمؤلفتها أسيل عبدالحميد أمين، التي كتبت قبل شهرين مقالاً عن جدها محمد أمين، الشهير بـ«أمين سينجر»، ماكينة الخياطة الشهيرة، التي كان وكيلها في الكويت، وسبب شهرته، وربما ثروته. وسبق أن شكرتني أسيل، على ما كتبت.

وضعت الكتاب جانباً، فقد كنت في مزاج معادٍ للكتاب الورقي، لحظتها، خاصة خلال السفر، لكن عدت في فترة استراحة قصيرة، وقلبت صفحاته، ووقعت عيناي على الفقرة التالية:

«... هناك.. في أرخبيل كِكلاذِس المتربع في قلب إيجة، تنادم طواحينُ جزيرة ميكونوس الشمسَ كل غروب في منظر خلّاب شاعري وصاخب في آن واحد. الطواحين الخمس البيضاء هناك صبايا يدرن فرحاً حول أنفسهن راقصات. تدور معهن فساتينهن، ترتفع وتطير مثل أقاحٍ بيضاء في الهواء. تدور شفرات الطواحين وتدور لتجرش الحبَّ والمرح والجنون والمجون قمحاً في بطنها؛ تعاون من يجيء إليها بذلك على عجن خبز الحياة وطهيه بأفران اللذة الساخنة. خبز ليس كأي خبز. خبز يشبع جوع الإنسان ويحيله إلى شرارة فرح تبعث فيه روحاً جديدة مثل شرارة نيزك خاطف تخترق عتمة ليل طويل، لعلها تخفف بذلك من حدة تعبه خلال ركضه المضني في هذه الحياة الطاحنة. وبرغم أن تلك الطواحين الأثرية التي بناها البنادقة في القرن السادس عشر قد توقفت عن العمل منذ زمن بعيد، وأصبحت مجرد أيقونات للجزيرة، إلا أني أراها كذلك دائماً كلّما زرت ميكونوس واستقبلتني حالما أصل ميناءها».

ما حدثتني به صوفيا عندما ابتعدنا عن محل سعاد وأصبحنا وحدنا، وذلك قبل أن أذهب لتناول الغداء ومشاري بالأمس، ذكرني بميكونوس وطواحينها تلك؛ يوم أن التقت بحبيبها السابق فلاديمير على درجات السلم الفسيح والمجاور.

* * *

انغمست لأذني في تقليب صفحات الرواية، بعد أن جذبتني الروح الفتية التي كتبت بها، وتفاصيلها «المنمنمة»، وأسلوبها الجذاب، وخلال ساعات سرقتني تماما من «عداء الطائرة الورقية»، وكنت أتمنى ألا تنتهي، قبل أن تلتقي «بطلة» الرواية بـ..... محمد!

* * *

رواية «غيمة وكواسر» جميلة وذكية، كمؤلفتها، التي أعرف القليل عنها، وأتمنى أن تستمر في كتابة الروايات، وتثرينا بغيرها.. قريباً.


أحمد الصراف


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد