: آخر تحديث

"شارع الميتين": حكايات إنسانية ترويها الأسماء

2
2
2

مقدمة:

في كل مدينة شارع يختصر مزاجها وروحها، لكن هذا الشارع – كما ظهر في الصورة الملتقطة من أحد الأحياء الشعبية – بدا وكأنه سيرة ذاتية مكتوبة على لافتات المحال أكثر من كونه شارعًا عابرًا.

فالأسماء وحدها تصنع المشهد:

مطعم الجوعان، محل العريان، عصير العطشان، صيدلية العيّان… وفي الواجهة لافتة شارع الميتين.

للوهلة الأولى، قد يتخيل المشاهد أن الأمر مجازًا شعريًا، أو مشهدًا من مسرحية كوميدية سوداء. لكنه في حقيقته امتداد لتقاليد تجارية حملتها عائلات امتهنت حرفًا بعينها، فصار الاسم علامة عائلية قبل أن يكون عنوانًا تجاريًا، لا علاقة لها بالفقر أو الحاجة.

ومع ذلك… فالصورة تفتح بابًا للمعنى.

أول ما قد يدور في الذهن هو أن هذه الأسماء كيفما قرأتها تفتح الباب لتأملات لا تنتهي؛ فهي تبدو كأنها قاموس يومي للفقر والصبر والكدح، وعناوين لمعاناة يومية، وصياغة جديدة لقاموس الحاجة الإنسانية. لكنها في الواقع تحمل في طياتها تاريخًا من المهن والحرف التي ورثها أصحابها عن أجدادهم، وهي اليوم تروي قصة صمود أمام تحدّيات العصر.

هي تذكّر بأن الحياة في الأحياء الشعبية تصنع من الصعوبات نكتة، ومن ضيق الحال ابتسامة، ومن التعب رزقًا كريمًا.

فالحيّ الشعبي – كما يظهر في الصورة – لم يكن مجرد مكان، بل مسرح حياة: في هذا الشارع، يمرّ الناس بملابس متواضعة، يجلس بائع الخضار على طاولة بسيطة، ويتحدث اثنان عند بضاعة موضوعة على ألواح خشب، وتبدو السيارات القديمة، وعربات "التُك تُك" وكأنها تروي زمنًا آخر.

هنا تتجاور أسماء "الجوعان" و"العطشان" و"العيّان" و"العريان"… لكن خلف كل اسم قصة كفاح ووجه إنسان، ووجه إنسان يعمل ويعرق ويبتسم.

الجسد: حرف تتحدى الزمن
"الميتين": إكرام الموتى كرسالة إنسانية
هذه المحلات تمثل مهنة شريفة تتعلق بإكرام الموتى وتقديم خدمات تتعلق بآخر مراحل الحياة. أصحابها يحملون على عاتقهم مهمة إنسانية نبيلة في أصعب لحظات الأسر. لكن الاسم يثير في النفس تأملات أعمق عن "موت" آخر – موت الكرامة، والأمل، والإحساس بالأمان. إنه المكان الذي يذكر الأحياء بأن الفقر يمكن أن يكون نوعًا من الموت البطيء، حيث تموت الأحلام قبل الأجساد.

"العريان": حرفة الكساء عبر الأجيال
محلات توارثها الأبناء عن الآباء في تجارة الملابس والأقمشة، يسهمون في ستر الناس وتوفير حاجاتهم من الكساء. هم يحملون اسمًا تاريخيًا يعكس امتهان العائلة لهذه الحرفة عبر الأجيال. لكن الاسم يذكرنا بغياب أبسط مقومات الحياة: الكساء. إنه عري الجسد الذي يعكس، بشكل أقسى، عريًا في الضمير الاجتماعي، حين تقف المجتمعات عاجزة عن ستر عورة مواطنيها.

"العيّان": رعاية الصحة مسؤولية مجتمعية
محلات تقدّم الأدوية والمنتجات الصحية، وأصحابها يتحملون مسؤولية مساعدة الناس في الحصول على ما يحتاجونه للعناية بصحتهم. الاسم هنا يعكس تخصص العائلة في هذا المجال. لكنه يذكرنا بمرض أعمق: علّة في النظام الصحي والاجتماعي. إنها تذكير بأن الفقراء يمرضون مرتين: مرة بسبب الداء، ومرة بسبب عجزهم عن مواجهة تكاليف العلاج.

"العطشان والجوعان": إشباع الحاجات الأساسية
محلات تقدم الطعام والشراب، وهي تمثل حلقة مهمة في سلسلة توفير الاحتياجات الأساسية للمجتمع. أصحابها يستمرون في مهن ورثوها عن أجدادهم لخدمة المجتمع. لكن الاسمين معًا يشكلان إدانة صارخة – ففي القرن الحادي والعشرين، لا يزال الجوع والعطش سلاحًا يفتك بفقراء الأمة. إنه جوع للخبز، وعطش للماء، ولكن الأعمق هو جوع وعطش إلى العدالة الاجتماعية.

ولعل تركيز هذه المهن في شارع واحد لم يأتِ مجرد صدفة، بل هو نتاج طبيعي لعدة عوامل:

· الاقتصاد غير الرسمي: حيث يلجأ المهمشون إلى أنشطة هامشية تتركز في أحياء الفقر.

· ثقافة المجال: حيث يتخصص كل حي أو شارع في أنشطة معينة، فيصبح هذا الشارع "سوقًا" للحرف التقليدية.

· الصورة الأكبر: هذا الشارع هو مرآة عاكسة لتوزيع الثروة، واتساع فجوة الفقر، وتراجع دور الدولة في توفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة.

إنه شارع يجمع بين التجارة، والتراث، والكدح… لكنه أيضًا يجمع علامات الاستغاثة التي تطلقها الحياة المتعبة.

وهكذا قد تبدو الأسماء، لو تُرجمت حرفيًا، كأنها مسرحية قدرية ساخرة اجتمع فيها الفقر والمرض والجوع في بقعة واحدة.

لكن الحقيقة أعمق:

هذا الشارع ليس رمزًا للمعاناة بقدر ما هو مرآة للإنسان.

رأيت فيه وجوهًا تعمل، لا تشتكي.

وجوهًا تعيش بكرامة بالرغم من العوز.

وجوهًا تقف بثبات أمام الزمن.

فكتبت من قلبي دعاءً وجهته للخالق سبحانه وتعالى:

"اللهم… كما جمعتهم على باب رزق واحد، اجمعهم على خير يوم الحساب، وبارك في سعيهم، وارحم ضعفهم، وأعطهم ما فاتَهم من الدنيا."

هؤلاء هم:

ملح الأرض… وذاكرة المدن… وسيرة الصبر التي تُروى باللهجة البسيطة التي لا تكذب ولا تتصنّع.

ولعل هذه الكلمات تصبح دافعًا لنا جميعًا، كأفراد ومؤسسات، لأن نكون عونًا لهؤلاء الصامدين، ولتحويل هذا الشارع من رمز للمعاناة إلى نقطة انطلاق للكرامة والتنمية؛ فإغاثة إنسان من الجوع أو المرض أو العري ليست عملاً خيريًا فقط… بل هي أقرب طريق إلى الله وإلى ضمير الإنسان.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.