لم أكن أبحث عن الألم حين فتحت تلك الفديوهات، ولم أكن أحتاج إلى ما يزيد مخزون ثلاثة عقود من مشاهدة الموت في الحروب. لكن ما وصلني من مقاطع موثّقة لجرائم مليشيات حميدتي في دارفور والفاشر وكردفان تجاوز كل ما رأيته سابقاً وهذه ليست مشاهد حرب، بل طقوس قتل جماعي، تُنفَّذ بوعي كامل، وتُسجَّل بكاميرات غير مرتجفة، وكأن من يحملها لا يخشى عالماً يُفترض أنه يحمي الإنسان.
شاهدت تلك الفديوهات بصفتي المهنية… لكن تلقيتها بصفتي الإنسانية، وشتّان بينهما. المهنية تدفعك للتوثيق، والإنسانية تحاول أن تهرب، لكنني لم أهرب. جلست، وفتحت كل ملف، ودوّنت، وأعدت المشاهد مراراً. كنت أبحث عن تفاصيل لن تراها العين إذا اكتفت بالنظرة الأولى: لهجات، أوامر، أسماء، ملامح بارزة، اتجاهات الرصاص، مواقع الضوء، تواريخ الساعة المسجّلة على زاوية الشاشة. كنت أوثّق جريمة مكتملة الأركان، لا رواية يُمكن تلطيفها.
في أحد المقاطع، رأيت مجموعة من خمسة رجال مُقيَّدين، أعينهم مفتوحة، لكن وجوههم مطفأة من الخوف. خلفهم يظهر مبنى محترق، وآثار إطلاق نار على الجدار. أحد أفراد المليشيات يقف أمامهم ويصرخ بعبارة لا تزال ترن في أذني: التعليمات جات… خلّصوهم ، لم تمضِ ثوانٍ حتى تحوّلت المجموعة إلى أجساد تسقط فوق بعضها، بينما يتقدّم عنصر آخر ليطلق (رصاصة التثبيت) في الرأس، واحدة بعد الأخرى. لم يكن المشهد تمثيلاً. لم تكن هناك فوضى. كان هناك قتل منظم، هادئ، وكأن القتلة لا يعاقبون بل يؤدّون وظيفة يومية.
في فيديو آخر، رأيت مقبرة جماعية في أطراف كردفان، حُفرت بطول يتجاوز عشرة أمتار. كان الليل ثقيلاً، والإضاءة خافتة، لكنها كافية لرؤية الأجساد الملقاة بجانب الحفرة. بعضها محروق، بعضها مبتور الأطراف، بعضها يحمل وثائق شخصية رماها الجناة فوق الجثث لإخفاء نسبها وهويتها. رأيت طفلاً لم يتجاوز عمره الثالثة عشرة يُجبر على جرّ جثة رجل ضخم نحو الحفرة وهو يبكي. أحد عناصر المليشيا صرخ فيه: شدّي… دا آخر يومك تبكي فيه ، العبارة وحدها تكفي لإدانة منظومة كاملة.
ثم جاء أخطر المقاطع: مشاهد موثّقة من الفاشر تُظهر رجالاً بملامح مغطاة بالمشالح يفتشون المنازل المحروقة، يسحبون النساء من بين الأنقاض، ويخرجون الأطفال بالقوة. امرأة تُركل على الأرض لأنها حاولت حماية ابنتها. رجل مسنّ يصرخ: بيوتنا… بيوتنا يا أولادي ، قبل أن يتلقى ضربة بكعب السلاح على رأسه. تلك الوجوه لم تكن مجرد ضحايا مجهولين؛ كانت ملامح شعب كامل يُباد على الهواء.
شاهدت فيديو آخر صُوّر عبر طائرة مسيّرة بدائية، يمرّ فوق منطقة في شمال كردفان. المشهد بدا من الأعلى كبقعة سوداء واسعة… لكنها ليست بقعة، بل عشرات الجثامين الملقاة على الأرض في العراء. بعض الجثث ما زالت تتحرك؛ لم تمت بعد. من فوق، يمكنك رؤية الدخان المتصاعد من منازل قريبة، وكأن المشهد يصرخ بأن العنف ليس حادثة، بل خطة.
لأول مرة، وجدت نفسي أتراجع قليلاً عن الشاشة. ليس خوفاً، بل رغبة في إعادة السيطرة على النفس. لكنني عدت. لأن من يهرب يترك الحقيقة في يد القاتل، ومن يبقى يرى بما يكفي ليكتب.
في أدق المقاطع وأشدها توثيقاً، رأيت قائمة أسماء مكتوبة على ورقة ملطخة بالدم. أحد أفراد المليشيات يقرأها بصوت مرتفع، ويشير إلى الجثث على الأرض. كل اسم يُقرأ، يتبعه تعليق ساخر: دا زول التمّ ، هذه ليست لغة حرب… هذه لغة تطهير.
وفي فيديو آخر، كان رد الفعل أكثر بشاعة: أحد القتلة يصوّر جثة شاب في العشرينات ويقول: ارموه… خلّوه يختفي قبل الصباح ، وبعد رمي الجثة في حفرة ضحلة، يُسكب فوقها الديزل وتُشعل النار. هذا ليس قتلاً… هذا محو متعمّد، متقن، محسوب.
في مشاهد من دارفور، رأيت بقايا قرى اختفت كلياً. منازل بلا أسقف، جثث متفحمة، وأطفال يرتجفون في الظل يجاهدون لأن يبدوا أحياء. رأيت رجلاً يركض حاملاً شقيقه الأصغر على كتفه، قبل أن يسقط الاثنان بعد إطلاق نار من مركبة مسرعة تحمل شعار المليشيا. رأيت وجوهاً أعرف أنها لن تُدفن كما يليق بالبشر. أعرف أنها ستُجرّ وتُكدّس ثم تُرمى في مقبرة جديدة فوق مقبرة سابقة.
الفيديوهات التي تلقيتها لا تروي قصصاً؛ إنها ترفع دعاوى. إنها تُطالب بالعدالة بتفاصيلها الدقيقة: توقيتات التصوير، اتجاه الظلال، نماذج الأسلحة، اللهجات المستخدمة، الأوامر الصادرة، أنواع المركبات، أماكن الحفر، وحتى أصوات الريح التي تُشير إلى تضاريس محددة. هذه ليست رواية شهادات فقط… هذه أدلة جنائية يمكن تقديمها أمام محكمة دولية.
وأنا، الذي شاهدها كلها، لست راوية، بل شاهد مسؤول. لقد رأيت دفن الضحايا في مقابر جماعية بيديّ عناصر المليشيا. رأيت كيف يُجبرون الأطفال على المشاركة. رأيت كيف تُحرَق الجثامين لإخفاء آثار التعذيب. رأيت كيف تُسجّل الجرائم من الداخل وكأنها انتصار شخصي.
ما حدث في دارفور والفاشر وكردفان هو عملية إبادة، لا اشتباك. هو قتل جماعي، لا صراع مسلح. هو جريمة حرب، لا حدث سياسي. وكل ثانية في هذه الفديوهات تُدين منظومة كاملة، لا أفراداً فقط.
أنا شاهد. وهذه شهادتي أمام العالم. ولا يمكن لجثة تُدفن في حفرة أن تختفي… ما دامت الحقيقة تملك عيناً ترى، وقلباً لا يسكت.

