زيارة الزعيم مسعود بارزاني إلى مدينة جزيرة بوتان التركية في 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 2025 لم تكن حدثاً بروتوكولياً عابراً، بل خطوة استراتيجية تحمل أبعاداً دبلوماسية وسياسية مهمة. استقبال بارزاني الرسمي من قبل مسؤولين أتراك رفيعي المستوى يعكس رغبة إقليم كوردستان في لعب دور محوري في الملفات الكردية الإقليمية، خصوصاً في سياق مسار السلام بين تركيا وPKK. خلال كلمته في ملتقى “ملا جزيري”، شدد بارزاني على استعداد الإقليم لدعم هذا المسار، معتبراً ما تحقق فرصة تاريخية للسلام، ومشيراً إلى ترحيب أنقرة بهذا التوجه.
هذا التقارب مع تركيا لا يمثل مجرد خطوة سياسية، بل يحمل أبعاداً استراتيجية تشمل استعادة حضور كردي في النقاش الإقليمي حول الأمن والهوية الكردية وعلاقات تركيا–العراق–كوردستان. كوردستان تسعى لتوسيع تحالفاتها وإعادة تموضع دورها في صراع كردي إقليمي أوسع، متخذة من الدبلوماسية الثقافية والسياسية منصة لتعزيز تأثيرها.
وصف مراقبون هذه الخطوة بأنها جاءت في وقت حساس للغاية، بعد يومين فقط من هجوم استهدف حقل كورمور للغاز في السليمانية بطائرات مسيّرة أو صواريخ، ما تسبب في توقف الإنتاج وحرائق في خزانات التخزين، وانقطاع إمدادات الكهرباء عن أجزاء واسعة من الإقليم. وزارة الكهرباء في حكومة الإقليم أعلنت انخفاض الإنتاج بنسبة 80 بالمئة، ما شكل صدمة اقتصادية وأمنية.
رد الفعل الدولي والمحلي كان سريعاً. الأمم المتحدة، عبر بعثة UNAMI، دانت الهجوم واعتبرته تهديداً للبنية التحتية العراقية والوحدة الاتحادية، داعية إلى تحقيق مشترك بين بغداد وأربيل. كما أصدرت السفارة الأميركية في بغداد بياناً شديد اللهجة يدين الهجوم، مؤكدة أن الجماعات المسلحة المدعومة خارجياً لا مكان لها في العراق، ومبدية استعداد واشنطن لدعم حماية البنى التحتية الحيوية في كوردستان. مبعوث الولايات المتحدة، مارك سافايا، حمّل جهات “تتبع أجندات خارجية عدائية” مسؤولية الهجوم، مطالباً الحكومة العراقية بالتحقيق وملاحقة الفاعلين.
الهجوم على حقل كورمور يعكس بوضوح أن الغاز والنفط لم يعودا مجرد موارد اقتصادية، بل أصبحا أدوات ضغط ونفوذ سياسي. الاستهداف المتكرر لهذه المنشآت يشكل رسالة تحذيرية لمن يحاول تعزيز مكانة الإقليم أو توسيع دائرة تحالفاته، ويبرز هشاشة أمنه أمام قوى تسعى لإضعاف استقراره الاقتصادي والسياسي.
بين التحالف مع تركيا والضغوط الأمنية: لعبة متشابكة
زيارة بارزاني لجزيرة بوتان تؤكد أن إقليم كوردستان يخطط لتوسيع تحالفاته، ويطمح أن يتبوأ دوراً وسطياً بين أنقرة وبغداد، ويمثل لاعباً فاعلاً في مسار السلام الكردي الإقليمي. وصف الموقف التركي الرسمي كوردستان بأنها “جاهزة لدعم مسار السلام مع PKK”. وهذا يعكس اتفاقاً ضمنياً على دور الإقليم كمنصة وساطة أو حل وسط في ملفات إقليمية معقدة.
لكن في المقابل، الهجمات على حقول الغاز توضح وجود قوى داخلية أو إقليمية لا ترحب بمثل هذا التموقع. هذه القوى تستخدم أمن الطاقة كوسيلة ضغط لتوجيه رسالة واضحة: أي تحرك مستقل أو تحالف جديد قد يكون مصحوباً بتكلفة سياسية واقتصادية كبيرة.
ويأتي التقارب بين أربيل وأنقرة في وقت حساس للغاية، بعد التطورات في سوريا وإعادة تموضع الجماعات الكردية هناك، وتأثير ذلك على الأمن التركي. في هذا السياق، يقدم الإقليم نفسه كحل وسطي، ويضع نفسه في قلب ملفات كردية أوسع. الهجوم على حقل غاز كورمور يسلط الضوء على التحدي الذي يواجهه الإقليم: السعي لتوسيع دائرة تحالفاته في الوقت الذي يواجه فيه تهديدات مباشرة للبنية التحتية الحيوية.
إنقاذ الاستقرار بحاجة إلى توازن وحماية
يبقى مستقبل هذا المسار غامضاً بسبب تداخل عدة عوامل: رغبة أربيل في تحالفات جديدة وإعادة ترتيب أوراقها الإقليمية، رغبة قوى محلية وإقليمية في إبقاء الإقليم ضمن دائرة محدودة من النفوذ، وحاجة دولية إلى استقرار إقليمي دون إشعال صراعات كبيرة.
وهنا تأتي زيارة الزعيم مسعود بارزاني إلى جزيرة بوتان التركية لتمثل خطوة استراتيجية نحو تعزيز دور كوردستان في الملفات الكردية الإقليمية، ودعم مسار السلام بين تركيا وPKK. لكنها تأتي في ظل تهديدات حقيقية للبنية التحتية، كما جسدها الهجوم على حقل كورمور، الذي يعكس تحول الغاز والنفط إلى أدوات نفوذ سياسي.
يتطلب نجاح هذا التوجه من أربيل إدارة توازن دقيق: تعزيز التحالفات الخارجية، الحفاظ على الاستقلالية السياسية، وضمان حماية بنيتها الاقتصادية والأمنية. في ظل هذه المعادلة المتشابكة، يمكن لكوردستان أن تتحول إلى لاعب إقليمي فاعل. لكن ذلك محفوف بالمخاطر، ويحتاج إلى استراتيجيات واضحة ومتكاملة بين السياسة والأمن والاقتصاد.


