يتردد الادعاء بأن الإعلام التقليدي، أي الصحف ومحطات التلفزيون والراديو، "يحتضر" أكثر وأكثر في السنوات الأخيرة، لكن الواقع أكثر تعقيدًا. فالإعلام التقليدي يفقد بالفعل من قوته، لكنه لا يختفي، بل يتغيّر شكله، يخسر احتكارًا تاريخيًا، ويحاول البقاء في عصر لم يعد فيه السياسيون، والجمهور بشكل عام، بحاجة إليه لنشر رسائلهم.
أحد العوامل المركزية في إضعافه هو تجاوز الإعلام عبر شبكات التواصل الاجتماعي. فاليوم يستخدم السياسيون فيسبوك وX (تويتر) ويوتيوب وتيك توك ومنصات أخرى لتمرير رسائلهم دون وسيط، دون نقد، ودون أسئلة صعبة. بدل المؤتمرات الصحفية، يُنشر المحتوى عبر فيديوهات؛ وبدل مقابلات معمّقة، نحصل على منشورات مُعدّة مسبقًا؛ وبدل مواجهة النقد، تُغلق التعليقات. هذا النموذج يمنح السياسيين قوة غير مسبوقة: التحكم بالسرد، تجاوز الحقائق المزعجة، وصناعة واقع بديل يختلف عن الواقع الحقيقي.
وهناك وسائل أخرى لتجاوز الإعلام التقليدي تشمل إنتاج محتوى دعائي يبدو وكأنه أصلي أو خبري، إضافة إلى إنشاء قنوات موازية تُدار مباشرة من المكاتب السياسية، وتخلق انطباعًا بوجود إعلام، لكنها عمليًا تعمل كقناة أحادية الاتجاه لتمرير رسائل السلطة.
ثمن هذه التطورات التكنولوجية باهظ. فالجمهور يتعرض لمعلومات موجّهة جزئيًا في أفضل الأحوال، أو مضللة ومزوّرة في أسوأها. الحدود بين الحقائق والتفسيرات أصبحت أكثر ضبابية. وعندما "يتحدث" القادة فوق رؤوس الصحافة، تختفي المسؤولية والشفافية والنقد، التي هي أسس الديموقراطية.
ومع ذلك، الإعلام التقليدي لا يختفي، لكنه بحاجة إلى تحوّل. بدلًا من الصحف المطبوعة الضعيفة، يجب تقوية منصاتها الرقمية والتركيز على التحقيقات، التحليلات، والمواد العميقة، المحتوى الذي لا ينتجه السياسيون. أمّا شبكات التلفزيون المتراجعة فعليها زيادة الاستثمار في التحقيقات، المجلات، الوثائقيات، وفحص الحقائق. قد يصبح دور الصحافة في المستقبل أصغر، لكنه سيكون أكثر حدة وتركيزًا.
العقبة الكبرى أمام هذا التحول هي هيكل الملكية: معظم وسائل الإعلام اليوم بيد أصحاب رؤوس أموال يبحثون عن الربح، والذي يكمن في الترفيه الرخيص، وليس في المضامين الصحفية الجادة. لذلك تبرز أهمية وجود قنوات بث عامة مستقلة وموثوقة تتحمّل جزءًا كبيرًا من هذه المهام، وتفرض منافسة تمنع الآخرين من التملّص من مسؤولياتهم.
المستقبل يبدو كمزيج من صحافة مهنية صغيرة ولكن عالية الجودة، إلى جانب شبكة واسعة من المصادر المستقلة، والمؤثرين، والقنوات المتخصصة، وصنّاع المحتوى. وسيضطر الجمهور إلى تطوير مهارات الثقافة الإعلامية للتمييز بين المعلومة الموثوقة والتلاعب. ونأمل أن تصبح مؤسسات فحص الحقائق والأنظمة الشفافة جزءًا لا يتجزأ من المشهد الإعلامي الجديد.
برأيي، الإعلام التقليدي لا يحتضر، بل إنه يتغير. والخطر الحقيقي ليس اختفاءه، بل تراجع قدرته على التأثير والنقد وحماية الفضاء الديموقراطي في مواجهة قوى سياسية تجيد تجاوزه بسهولة غير مسبوقة.


