في مطلع العام 1981م أصدر منتج الأفلام المصري الأستاذ المرحوم ممدوح الليثي فيلم (أنا لا أكذب ولكني أتجمّل) عن قصة للكاتب والروائي المصري الكبير الأستاذ المرحوم إحسان عبد القدوس وإخراج المخرج المصري الكبير الأستاذ المرحوم إبراهيم الشقنقيري ومن بطولة الفنان الكبير المرحوم صلاح ذو الفقار والفنان الكبير المرحوم أحمد زكي والفنانة آثار الحكيم وغيرهم، وتدور قصة الفيلم حول كاتب مشهور هو رفيق حمدي (صلاح ذو الفقار) الذي يتحدّر من عائلة ميسورة الحال ويسكن في أحد الأحياء الراقية ولديه ابنة وحيدة هي خيرية (آثار الحكيم) التي تدرس في الجامعة ولها زميل معها في التخصص يدعى إبراهيم (أحمد زكي) الشاب الجامعي المتفوق ابن الأسرة الفقيرة التي تسكن في منطقة المقابر حيث يعمل والده حفّارًا للقبور بينما والدته تعمل خادمة لتنظيف البيوت. يعيش إبراهيم حالة من النفور والتمرد على وضعه وبيئة الفقر التي يعيشها ما يدعوه للتباهي الكاذب أمام رفاقه في الكلية والزعم بأنه من أسرة غنيّة. تنشأ في هذه الأثناء علاقة حب بينه وبين خيرية ولا يخبرها بحقيقة تباين المستوى المعيشي بينهما حتى يتم كشف هذا الخداع على يد أحد زملائهما لتُفاجأ خيرية بادئ الأمر غير أنها تلتمس العذر لاحقًا لإبراهيم بل وتتمسك به أكثر بالرغم من نصيحة والدها لها بعدم جدوى هذه العلاقة وعدم تكافئها لكنها تقرر الارتباط بعد أن يتخرج من الجامعة لأنها ترى بأن الفقر ليس بالأمر المعيب. غير أنها لاحقًا وفي لحظة تفكير عقلاني مجرّد من العواطف يتبين لها بأن تمسكها بإبراهيم بعد معرفة حقيقته لم يكن سوى ردة فعل مؤقتة فلم تجد مفرًّا من إخباره بأنها لا تستطيع الارتباط به فيتفاجأ بقرارها ويحاول التبرير لها بأن ما فعله هو أمر يفعله الجميع رجالاً ونساء، فهو لم يكذب عليها بمشاعره لكنه كان يتجمّل ويحاول تحسين صورته.
تذكرت هذا الفيلم – مع الفارق – وأنا أشاهد بعض مشاهير منصات التواصل الاجتماعي الذين فُتحت لهم أبواب الرزق عبر تلك المنصات فتحولت حياتهم من حال إلى حال وفي غمرة تدفق المال في أرصدتهم البنكية لم يستوعبوا إزاءها مرحلة هذا الانتقال السريع فباتوا مثل (إبراهيم) في الفيلم لكن الفرق أنه لم يكن يملك شيئًا بينما هم يملكون المال لذلك بقيت الفلسفة واحدة وهي التفاخر بالمظهرية الجوفاء والتفنن في عرض صور البذخ والتبذير والإسراف المنهي عنه شرعًا وعقلاً حتى وصل الحال ببعض أولئك المشاهير إلى استئجار السيارات الفارهة والسكن الكبير الفخم فقط لأجل عرضها أمام متابعيهم وكأنها ملكًا لهم! والحقيقة أن الحيرة تبلغ ذروتها بالمتابع فلا يعرف كيف يصنّف هذه التصرفات هل هي مرض أو تجمّل أمام أعين المتابعين أو كذب عليهم!! لكن بصرف النظر عن تصنيفها أعتقد بأن الجميع يتفق بأنها تصرفات مرفوضة ولا تدل إلا على شيء واحد وهو أن بعض مُحدَثي النعمة يفعلون ذلك انتقامًا من سالف أيامهم الصعبة بينما الممتلئة عيونهم سواء الذين ورثوا الخير كابرًا عن كابر منذ عشرات السنين أو الذين طرقوا أبواب الرزق بكل عصامية وجدّ واجتهاد لا يُرى منهم في الغالب هذا التلهّف لعرض كل ما يملكونه.
لقد أحسنت الهيئة العامة لتنظيم الإعلام في السعودية صُنعًا عندما أعلنت في الحادي والعشرين من أيلول (سبتمبر) الماضي عن جملة من المحظورات المرتبطة بالإنتاج الإعلامي والمحتوى المتداول عبر المنصات وكان من ضمن أشكال المحتوى الذي يقع في دائرة المخالفات ويعرّض صاحبه للعقوبات النظامية: "نشر المعلومات المضلّلة أو غير الصحيحة" وكذلك "التباهي بالأموال والممتلكات"، لا شك أنها خطوة إيجابية تعزّز من قوة النظام ومن شأنها – برأيي المتواضع – قطع دابر تلك الفيديوهات المستفزة التي لم يتورّع صانعوها عن تصويرها. مع صادق الأمنيات للجميع بالقصد في الفقر والغنى وحسن العاقبة في الأمور كلها.


