خصصت مجلة «العلوم والمستقبل» الفرنسية عدداً خاصاً لما سمَّتها «أخطاء أينشتاين العبقرية»، (العدد 946 ديسمبر/كانون الأول 2025)، وتتلخّص أطروحتها في أنَّه لولا أخطاء أينشتاين لما شهدت حقول الفيزياء وعلوم الفضاء والطاقة النووية -بل وأسُس الثورة التكنولوجية والرقمية- التحولات الكبرى التي نعيش فصولها اليوم؛ وهي ثورة لم تقتصر على المعرفة النظرية فحسب، بل امتدّت إلى توظيف هذه الأفكار في ابتكارات قلبت تصوّر الإنسان للكون وغيّرت بنية الحياة البشرية.
عادةً ما يمجّد التاريخ العباقرة كأنهم معصومون من الخطأ. ولكن ماذا لو كانت أخطاء أينشتاين هي جوهر عبقريته؟ فالخطأ، خصوصاً في تاريخ العلوم، لا يكون في كثير من الأحيان نهاية المطاف، بل يكون مدخلاً إلى فضاء أرحب من الفهم والاكتشاف. لم تكن عبقرية أينشتاين في عدم الوقوع في الخطأ، بل في الشك، والمخاطرة الفكرية، والجرأة على الاعتراف بالخطأ. لم يكن يثق في المسلّمات، بل كان يرفض السلطة العلمية الجاهزة، ويفضّل السؤال الصعب على الجواب السهل. فمن لا يخطئ، غالباً، لم يغامر بما فيه الكفاية. وهذا لا ينطبق على علم الفيزياء وحده، بل يشمل الفلسفة والحياة والاقتصاد وإدارة الأعمال وسائر ميادين الإبداع الإنساني.
كما بيّنت المجلة، كانت سنة 1905 حبلى بالمعجزات التي كشفت عن جرأة استثنائية في التفكير. ففيها فسّر أينشتاين الظاهرة الكهروضوئية حين أثبت أن الضوء ليس موجةً فقط، بل يتكوّن من جسيماتٍ من الطاقة تستطيع أن تُحرّر إلكتروناتٍ من داخل المادة. وهذا يعني أن العالم في جوهره كميّ، ويجعل من أينشتاين أحد الآباء المؤسّسين لميكانيكا الكم، ولو لم يكن واعياً آنذاك بكل أبعاد ذلك الاكتشاف.
وفي السنة نفسها، قدّم تفسيراً للحركة البراونية -أي الحركة العشوائية للجسيمات الدقيقة- مبيناً أنها تنتج عن اصطدام جزيئات غير مرئية بها من جميع الاتجاهات، وهو ما شكّل أحد أقوى الأدلة على وجود الذرّات والجزيئات. كما وضع أسس النسبية الخاصة التي تقول إن الزمان والمكان يتغيّران حسب سرعة الحركة، وإنّ الضوء يظلّ الأسرع على الإطلاق. وأخيراً، صاغ معادلته الشهيرة: «الطاقة = الكتلة × (سرعة الضوء)²»، والتي تعني أن كميةً صغيرة جداً من المادة يمكن أن تحتوي على طاقة هائلة إذا تمّ تحويلها بالكامل إلى طاقة.
هذه ليست إنجازات رجل خائف من الخطأ بل عقل مستعد لكسر القوانين القديمة. أينشتاين لم يُصلح الفيزياء... بل هدمها ليبنيها من جديد. وحتى حين أخطأ أينشتاين، تَقدَّم العالَم. فقد كان يعتقد أن الكون ثابت، وحين أثبتت حساباته الرياضية أنه يتمدد ويتسارع، أضاف ثابتاً كونياً لمنع تمدده. غير أن هذا «الخطأ» تحوّل لاحقاً إلى أحد المفاهيم الأساسية في فهم الطاقة المظلمة.
كما رفض الطابع الاحتمالي (اللايقيني) لميكانيكا الكم، رغم أنه هو نفسه وضع أسس الفيزياء الكمية حين فسّر الظاهرة الكهروضوئية، مُبيّناً أن الضوء يتكوّن من جسيمات وليس مجرد تموّجات. وكان هذا الرفض في جوهره فلسفياً أكثر من كونه علمياً. إذ لم يكن يقبل بما كان يطرحه الفيزيائي الدنماركي نيلز بوهر من فوضى واحتمال، لأنه كان يؤمن بوجود نظام صارم يحكم الكون. هكذا بدا أن أينشتاين الفيلسوف يرفض ما كان أينشتاين الفيزيائي يثبته في تحليلاته الرياضية والعلمية.
ومن جانب آخر، تنبّأت معادلاته بوجود الثقوب السوداء، وهي مناطق في الفضاء تكون فيها الجاذبية قوية إلى درجة أنه حتى الضوء لا يستطيع الإفلات منها. لكنه شكّك في واقعيتها وعدَّها مجرد افتراضٍ نظري. غير أنه في عام 2019 تحقق إنجاز كبير في علم الفلك عندما نشر «تلسكوب أفق الحدث» أول صورة على الإطلاق لثقبٍ أسود يقع في مركز مجرة ميسيه 87 (م87)، على بُعد يقارب خمسةً وخمسين مليون سنة ضوئية عن الأرض.
كل هذا يعني أن أينشتاين لم يكن يخاف من الخطأ، بل كان متناقضاً ومتردداً ولكنه كان حراً فكرياً وكان يضع الإنسان والبعد الفلسفي لوجوده في الكون في قلب المعادلة. الخطأ ليس نقيضاً للعبقرية ولكنه جزء لا يتجزأ منها.
فشلُ أينشتاين فتح أبواباً جديدة. فقد كان حلمه توحيدَ القوى الأربع (الجاذبية، والكهرومغناطيسية، والقوتين النوويتين القوية والضعيفة) في معادلة واحدة، لكنه لم يتحقّق. غير أنّ هذا الحلم نفسه دفع عديداً من العلماء إلى مواصلة البحث عن تلك المعادلة التي قد تُلخِّص القوى التي تحرّك الكون.
لولا أخطاء أينشتاين لما تطوّرت ميكانيكا الكم، ولما تقدّم علم الكونيات، ولما فهمنا الكون كما نفهمه اليوم بقواه وثقوبه السوداء. والدرس بالنسبة إلينا هو أنّ قبول احتمال الخطأ يفتح أمامنا آفاقاً واسعة من المعرفة والعلم والابتكار؛ فالفضول أهمّ من اليقين الجامد، واحتضان الشكّ يقود إلى مزيد من الفهم، وهو أحد أسس التقدّم العلمي.

