محمد الرميحي
شهدت السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً في نظرة الإدارات الأمريكية لتيارات الإسلام، إذ قامت إدارة الرئيس دونالد ترامب بتصنيف عدد من أذرع جماعة الإخوان، كمنظمات إرهابية، بعد أن سبقتها دول عربية وخليجية إلى الخطوة نفسها. لم يكن ذلك مجرد قرار سياسي طارئ، بل جاء نتيجة إدراك متزايد لدى واشنطن بأن الإسلام الحركي، في صورته الأيديولوجية والتنظيمية، أصبح أحد أبرز العوائق أمام بناء الدولة الوطنية العربية الحديثة، وقدرتها على مواكبة التحولات العالمية.فمشروع «الإخوان»، بوصفه أقدم تجليات الإسلام الحركي الحديث، بُني على تصور مثالي عن «العصر الذهبي» الذي يجب أن يعود. هذا التصور لم يكن مجرد استدعاء للماضي، بل تحول إلى أيديولوجيا شاملة تقدم باعتبارها الحل الوحيد لكل أزمات الحاضر، وهنا تكمن المفارقة؛ فبدل أن تنظر هذه الحركات إلى المستقبل باعتباره فضاءً لصناعة النموذج العربي الحديث، أعادت صياغة المستقبل بوصفه محاولة لاستحضار الماضي. والأخطر أن هذا الخطاب وجد طريقه إلى بعض مناهج التعليم في العالم العربي، التي ما زالت تغرس في أذهان الناشئة فكرة العودة إلى نموذج تاريخي مثالي، على حساب قيم العلم، والمنهجية، والابتكار، والقدرة على التفكير النقدي.هذا الخلل في التعليم ليس عرضاً عابراً، بل هو جزء من معضلة أعمق، تتعلق بالبنية الفكرية والثقافية التي قامت عليها النخب العربية بعد الحرب العالمية الثانية. فهذه النخب كانت تعرف ما لا تريد، لا تريد الاستعمار، ولا التخلف، ولا التبعية ـ لكنها لم تكن تعرف ما تريد. ولذا حين جربت النماذج الغربية في الحكم: انتخابات، برلمانات، حكومات منتخبة... تبين سريعاً أنها لا تعمل كما يجب، لا لأن النموذج خاطئ، بل لأن البيئة المؤسسية والفكرية لم تكن مؤهلة لاستقباله.ثم جاء عصر الانقلابات العسكرية، فرفعت الأنظمة شعار «الحكم باسم الشعب»، لكنها حكمت الشعب نفسه بقوة الحديد والنار. تحولت الشعارات الكبرى إلى أدوات للسيطرة والقمع، وانتهى الأمر بانقسامات حادة، وحروب أهلية، وتراجع اقتصادي واجتماعي امتد لعقود. وفي المقابل، حاولت بعض الدول العربية استنساخ التجربة الاشتراكية، لكن دون وجود قاعدة اجتماعية أو اقتصادية صلبة، فكانت النتيجة انهياراً سريعاً وفشلاً مزمناً في بناء اقتصاد قادر على النمو.أما التيارات الإسلامية الحركية فبدلاً من أن تقدم بديلاً عقلانياً، عمقت الانقسام داخل المجتمعات، فهي طرحت نموذجاً للدولة يقوم على الشرعية الأيديولوجية، لا الشرعية الدستورية أو المؤسسية، وعلى الولاء للمرشد، لا الولاء للدولة. وهكذا بقي العرب، لعقود طويلة، بين نموذج سلطوي لا يؤمن بالمشاركة، ونموذج ديني لا يؤمن بالدولة الحديثة، ونموذج تعليمي لا يؤمن بالمستقبل.هنا يمكن قراءة خطوة إدارة ترامب في تصنيف بعض أذرع «الإخوان» باعتبارها جزءاً من إعادة تقييم عالمية لأدوار الأيديولوجيا في زعزعة الاستقرار السياسي. فقد تزايد إدراك كثير من الدول، لا سيما الخليجية، أن المعركة الكبرى ليست فقط مع التطرف المسلح، بل مع البيئة الفكرية التي تنتجه، ومع المناهج التعليمية التي تغذيه، ومع الخطاب الديني المشوه، الذي يبرره أو يموه خطورته.لقد دفع العالم العربي ثمناً باهظاً لهذا الخليط المعقد من الأوهام الأيديولوجية، وضعف التعليم، والانقسامات السياسية. واللافت أن كل محاولة إصلاح حقيقية في المنطقة تبدأ من النقطة ذاتها: جودة التعليم. فدون تعليم حديث قادر على تكوين مواطن حديث، لن تبنى دولة حديثة، ودون دولة حديثة، لا يمكن أن يتحقق الاستقرار أو التنمية أو الاندماج في الاقتصاد العالمي.التغيير الحقيقي يبدأ من الاعتراف بأن المستقبل لا يصنع بالشعارات، ولا بالتعلق بالماضي، ولا بالبحث عن «الدولة المثالية» التي يسهل التحدث عنها ويستحيل تطبيقها. الدولة الحديثة مشروع معرفي قبل أن تكون مشروعاً سياسياً، وهي تحتاج إلى عقل نقدي، ومؤسسات قوية، واقتصاد منتج، وتعليم يفتح أبواب المستقبل. إن تجاوز العرب لهذه الحلقة المفرغة يتطلب مواجهة صريحة مع الإرث الفكري الذي أعاقهم لعقود، وإعادة صياغة المناهج، وتجديد الخطاب الديني، وبناء ثقافة سياسية تدرك أن الدولة ليست منبراً للوعظ، ولا مسرحاً للشعارات، بل بنية مؤسسية تحتاج إلى العقل والعلم والانفتاح على العالم.

