: آخر تحديث

قراءة نقدية قانونية للدستور الجديد: إشكاليات التمييز والهوية والمواطنة

2
2
2

تُعتبر الدساتير المرجعية القانونية الأسمى في الدول، حيث تحدد شكل النظام السياسي، وتؤطر العلاقة بين السلطة والمجتمع، وتؤسس لمبادئ المواطنة والحقوق والحريات. غير أنَّ بعض الدساتير، ومنها مشروع الدستور الجديد للجمهورية السورية، التي يقدمها الدستور بأنها "الجمهورية العربية السورية"، يحمل في طياته تناقضات جوهرية بين النصوص المعلنة والغايات الفعلية التي تهدف السلطة إلى تكريسها، بتدبير تركي قطري. إذ إن نعت الجمهورية بالعربية انتهاك لشرط التأسيس الذي تم في عهد المد القوموي العروبوي، وألصق بالتسمية زوراً في سنة 1950، بعد أن ظلت التسمية منذ العام 1930 "الجمهورية السورية"، وأن هذا الإصرار دليل عدم ثقة بعروبة السكان - وهو الواقع - واستعصاء الكرد على التذويب القومي، على امتداد مئة عام من عمر الدولة!

إحدى القضايا المركزية في هذا الدستور هي العلاقة الجدلية بين الدين والدولة، وما إذا كانت نصوصه تؤسس لدولة قانون مدني حديث، أم تعيد إنتاج الأنماط التمييزية التي تعيق تحقيق المواطنة المتساوية. ففرض الإسلام ديناً لرئيس الجمهورية، رغم الإقرار بحرية الاعتقاد، يطرح تساؤلات قانونية حول مدى توافق هذه المادة مع مبدأ المساواة الدستورية. كما أن تكريس الهوية العربية للدولة دون الاعتراف الرسمي بالتعددية القومية واللغوية يثير إشكالات قانونية تتعلق بحقوق الكرد وبقية المكونات.

أولاً: اشتراط إسلام رئيس الجمهورية - تمييز غير دستوري؟
تنص المادة "2" من مشروع الدستور الجديد على أن "دين رئيس الجمهورية الإسلام"، وهو شرط يحمل أبعاداً قانونية تتعارض مع المبادئ الأساسية التي تقوم عليها الدساتير الحديثة.

انتهاك مبدأ المساواة الدستورية
إذ يفترض أي دستور قائم على مبادئ المواطنة أن تكفل مواده تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين، دون تمييز قائم على الدين أو العرق أو الجنس. غير أن فرض دين معين على رأس السلطة يتعارض مع هذا المبدأ، إذ يمنع فئات من المجتمع من الترشح لهذا المنصب، ما يجعله تمييزاً دستورياً مخالفاً لمفهوم سيادة القانون. إذ إن في سوريا ديانات متعددة: الإسلام - المسيحية - الإيزيدية ويعد الإسلام أحدثها، رغم اعتزازي الشخصي بديانتي!

وإذا كان الدستور يضمن حرية الاعتقاد لجميع المواطنين، فكيف يسوغ فرض دين محدد على رئيس الدولة؟ هذا التناقض يفقد مبدأ الحريات الدينية قيمته القانونية، حيث يتم تقييد هذه الحرية عند الترشح لمناصب معينة، ما يعكس ازدواجية تشريعية قد تكون مدخلاً للطعن في شرعية النص.

فرض شرط ديني على المنصب الرئاسي يعيد إنتاج الأنظمة التمييزية التي تجعل الانتماء الديني معياراً للوصول إلى الحكم، بدلاً من الكفاءة أو الإرادة الشعبية. كما أن هذا الشرط يخلق سابقة قانونية يمكن أن تسوغ إقصاء مجموعات أخرى من مناصب سياسية أو إدارية، ما يخالف روح الدساتير المدنية.

ثانياً: ازدواجية الدولة بين حرية الاعتقاد وسيطرة التشريع الديني
ينص مشروع الدستور على أنَّ "حرية الاعتقاد مصونة"، لكنه في الوقت ذاته يقر بأن "الإسلام هو المصدر الرئيسي للتشريع"، وهو ما يثير إشكاليات تتعلق بالطابع القانوني للدولة ومدى التزامها بمبادئ القانون المدني.

تقييد التشريع المدني
إذا كان الإسلام هو المصدر الرئيس للتشريع، فكيف سيتم التعامل مع القوانين المتعلقة بالأحوال الشخصية، وحقوق المرأة، والزواج، والإرث؟ هل ستبقى هذه القوانين خاضعة للتشريع الديني، أم سيتم إخضاعها لمرجعية قانونية مدنية تضمن المساواة لجميع المواطنين، بغض النظر عن دينهم؟

يشكل هذا البند إشكالية قانونية لمن لا ينتمون لأي دين، حيث قد يجدون أنفسهم مجبرين على الامتثال لقوانين تستند إلى مرجعية دينية لا يتبنونها. فهل سيُسمح لهم بالاحتكام إلى قوانين مدنية، أم أن حقوقهم ستبقى رهينة للتأويل الديني؟

ثالثاً: الهوية الدستورية - إقصاء أم تأكيد للتعددية؟
يُصر مشروع الدستور على الإبقاء على اسم "الجمهورية العربية السورية"، في تجاهل واضح للتعددية القومية في البلاد. ومن هنا فإنه في دولة متعددة القوميات مثل سوريا، فإن فرض هوية قومية واحدة على جميع السكان يتعارض مع المبادئ الدستورية الحديثة التي تؤكد على احترام التعددية الثقافية واللغوية. لماذا لا يتم تبني تسمية أكثر شمولية مثل "الجمهورية السورية"، كما هو الحال في دول متعددة القوميات؟

إنكار الاعتراف الرسمي بالكرد وبقية المكونات
عدم الإشارة إلى الشعب الكردي، وغياب أي ضمانات قانونية لحقوقهم اللغوية والثقافية، يكشف عن غياب إرادة سياسية لإدراجهم كمكون أساسي في الدستور. وهو ما يثير تساؤلات حول مدى جدية الحديث عن "وحدة وطنية" في ظل الإقصاء القانوني لمكونات رئيسية من الشعب.

رابعاً: حقوق المرأة - إطار شكلي دون ضمانات قانونية
يخصص مشروع الدستور إشارات عامة لحقوق المرأة، لكنه لا يقدم أي ضمانات فعلية لمشاركتها السياسية والاقتصادية.

لم ينص الدستور على آليات قانونية تضمن تمثيل المرأة في المؤسسات التشريعية والتنفيذية، كما لم يحدد أي تدابير لمنع التمييز ضدها في القوانين المتعلقة بالأحوال الشخصية.

إنه في ظل غياب نصوص واضحة تلزم الدولة بالمساواة بين الجنسين، تبقى المرأة خاضعة لقوانين تمييزية تُستمد من مرجعيات دينية أو عرفية. هل يكفي الحديث عن "مكانة المرأة" في ظل عدم وجود التزام قانوني بحمايتها من التمييز في التشريعات الأساسية؟

خامساً: القضية الكردية - اعتراف غير مكتمل؟
رغم الحديث عن ضمان حقوق الكرد في التقارير السياسية، فإن مشروع الدستور لم يخصص أي مواد صريحة تضمن الاعتراف بقوميتهم ولغتهم وثقافتهم وحقوقهم السياسية.

غموض المصطلحات القانونية
الاكتفاء باستخدام عبارات مثل "حقوق الأقليات" دون تحديدها يجعل هذه الحقوق فضفاضة وعرضة للتفسير السياسي، ما قد يفتح المجال لتهميشها أو الالتفاف عليها من خلال قوانين فرعية غير دستورية. لاسيما إن الكرد ليسوا اقلية، وإنما قومية تعيش تاريخياً، فوق ترابها، وإن كان هناك كرد يقيمون منذ مئات السنين في مدن سورية كدمشق، كانوا من حماتها، بل كانوا حتى قبل مئتي سنة الأكثرية فيها.

إذ لم يضمن الدستور أي حقوق لغوية أو تعليمية للكرد، ما يعني استمرار حرمانهم من  ومن هنا، نجد حقوقهم الثقافية الأساسية. كما أن غياب الاعتراف بهم كقومية أساسية في البلاد يضعف أي التزام قانوني بحماية وجودهم السياسي والاجتماعي.

يبرز مشروع الدستور الجديد كوثيقة قانونية تكرّس التمييز بين المواطنين بدلاً من تعزيز المساواة. فمن جهة، يستمر في فرض اشتراطات دينية على رأس السلطة، ما ينتهك مبدأ المواطنة المتساوية. ومن جهة أخرى، يكرّس الهوية القومية الأحادية، متجاهلاً التعددية القومية والثقافية في البلاد. كما أن معالجة قضايا المرأة لا تزال شكلية، دون ضمانات قانونية واضحة.

إن أي دستور يهدف إلى بناء دولة حديثة يجب أن يستند إلى مبادئ قانونية تحترم التنوع، وتضمن حقوق جميع المواطنين دون تمييز. أما الاستمرار في فرض هوية دينية أو قومية واحدة، فهو تكريس لنهج إقصائي يعوق بناء دولة قائمة على سيادة القانون والمواطنة الحقيقية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.