: آخر تحديث

متى كانت آخر مرة.. اندهشت؟

3
2
2

إذا سألتك هذا السؤال قبل عشرين عامًا، فربما أجبتني دون تردد.. قد تتحدث عن أول مرة ركبت فيها الطائرة، أو أول هاتف اشتريته، أو أول مرة استخدمت الإنترنت، أو أول رحلة سافرت فيها إلى مكان لم تره من قبل. كانت التجارب الجديدة تترك أثرًا طويلًا، وكانت التفاصيل الصغيرة تكفي لتصبح حديث المجالس لأيام، وربما لسنوات. أما اليوم.. فلا أدري كم واحدًا منا يستطيع أن يتذكر آخر مرة توقف فيها فعلًا لأنه اندهش.

والغريب أن المشكلة ليست في العالم، فالعالم لم يكن يومًا أكثر إدهاشًا مما هو عليه الآن. نحن نعيش عصرًا يستطيع فيه الإنسان أن يتحدث مع الذكاء الاصطناعي، ويرى صورًا من أعماق الكون، ويشاهد مركبات تهبط على كواكب أخرى، ويحمل في جيبه جهازًا يجمع من المعرفة والقدرات ما كان قبل عقود يُعد من الخيال.

ومع ذلك.. لم تعد الدهشة كما كانت.

نقرأ الخبر، ثم ننتقل إلى الذي يليه.

نشاهد مقطعًا يبهرنا، ثم نبحث بعد ثوانٍ عن مقطع أكثر إثارة.

نسافر إلى أماكن كنا نحلم بزيارتها، ثم ننشغل بتصويرها أكثر من الاستمتاع بها.

حتى أصبحنا نعيش اللحظة بعين، ونبحث عن اللحظة التالية بالعين الأخرى.

وربما هنا تكمن المشكلة.

لسنا أقل حظًا ممن سبقونا، ولسنا نعيش في عالم أقل جمالًا، لكننا نعيش بإيقاع أسرع بكثير من قدرتنا على الشعور بما حولنا.

لقد أصبح العالم يركض.. وركضنا معه.

وأخشى أننا لم ننتبه إلى أن سرعة الحياة لم تسرق وقتنا فقط، بل سرقت قدرتنا على التأمل.

تخيل لو عاد إليك شخص عاش في منتصف التسعينيات، وقضى معك يومًا واحدًا فقط.

سيراك تحمل في جيبك جهازًا تستطيع من خلاله أن تتحدث مع أي شخص في العالم، وأن تطلب طعامك، وتحوّل أموالك، وتقرأ أي كتاب، وتشاهد أي مكان، وتسأل الذكاء الاصطناعي أي سؤال يخطر في بالك.

سيظن أنه يعيش معجزة.

أما نحن..

فقد أصبح كل ذلك جزءًا من يوم عادي.

ولعل الطفل هو أفضل من يذكرنا بما فقدناه.

فالطفل يستطيع أن يقف دقائق طويلة يتأمل نملة تحمل طعامها، أو فراشة تنتقل بين الأزهار، أو قطرة مطر تنساب على النافذة، لأنه لا يرى العالم بعين اعتادت كل شيء.

أما نحن، فكثيرًا ما نمر بجانب أشياء كانت ستبهرنا يومًا، دون أن نمنحها حتى لحظة انتباه.

ويفسر علماء النفس ذلك بما يسمى "التكيف اللذّي"؛ فالعقل البشري يعتاد النعم والإنجازات بسرعة، حتى تتحول الأشياء التي كانت تملؤه فرحًا إلى جزء عادي من يومه. ولذلك لا تكمن المشكلة في أن النعم قلت، بل في أننا اعتدناها.

وربما لهذا السبب، لم يكن الامتنان في ديننا مجرد خلق حسن، بل عبادة تتكرر كل يوم. فالحمد لا يغيّر النعمة، بقدر ما يعيد إلى القلب قدرته على رؤيتها، ويوقظه من اعتيادها.

توقفت طويلًا عند هذه الفكرة، وسألت نفسي سؤالًا بسيطًا:

كم نعمة أعيشها اليوم.. كانت قبل عشر سنوات دعاءً أرفعه إلى الله؟

وكم أمنية ظننت يومًا أن حياتي لن تكتمل إلا بها.

ثم أصبحت اليوم أمرًا عاديًا لا يلفت انتباهي؟

ربما لم تكن المشكلة يومًا أن العالم أصبح أقل إدهاشًا..

بل أننا اعتدنا النعم حتى توقفنا عن رؤيتها.

ولهذا لا أظن أن الإنسان يحتاج دائمًا إلى حياة جديدة حتى يستعيد دهشته..

بل يحتاج أحيانًا إلى وقفة جديدة مع حياته.

أن يبطئ خطواته قليلًا.

أن يرفع رأسه عن الشاشة.

أن يمنح قلبه فرصة للحاق بعالم يركض أسرع منه.

لأننا إذا استمررنا في الركض بالسرعة نفسها، فقد نصل إلى كل الأماكن التي خططنا لها..

لكننا قد نفقد القدرة على الاستمتاع بالطريق.

وربما لهذا، فإن السؤال الذي بقي في ذهني بعد أن انتهيت من كتابة هذا المقال ليس:

لماذا لم نعد نندهش؟

بل.. هل توقف العالم عن إدهاشنا.. أم أننا أصبحنا نمر بجانب الحياة بسرعة أكبر من أن نشعر بها؟

ربما لا نحتاج إلى مزيد من المعجزات..

بل إلى أن نتذكر أن كثيرًا مما نعيشه اليوم.. كان بالأمس دعاءً نرجو الله أن يستجيب له.

الحمد لله عدد ما خلق، والحمد لله ملء ما خلق، والحمد لله عدد ما في السماوات والأرض.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد