: آخر تحديث

ملحمة الخلود

2
3
2

موسى بهبهاني

تجسد حب الوطن إبان الغزو العراقي للكويت في أسمى صور الصمود والتلاحم الشعبي، حيث وقف الكويتيون صفاً واحداً للدفاع عن أرضهم ضد الغزاة.

فلم يكن فجر يوم 2/ 8/ 1990 يوماً عادياً، بل كان محطة قاسية ومؤلمة للشعب الكويتي، بدأ الاجتياح العسكري المفاجئ في الساعات الأولى من فجر ذلك اليوم، حين توغلت الآليات والدبابات عبر الحدود إلى المناطق السكنية الآمنة، وتفاجأ أهل الكويت بأصوات الانفجارات والطلقات النارية وهدير الطائرات الحربية مع طلوع الفجر، و تم غزو واحتلال دولة الكويت، والسعي لمحوها من الوجود.

تلك الذكرى تظل عالقة في ذاكرة الكويت وشعبها، تمر أحداثها في ذاكرتنا كشريط دائم العرض، فكيف ننسى ذلك اليوم الأليم الذي شهدنا فيه الغدر والخيانة.

سبعة شهور متواصلة والكويت تحت الاحتلال، أيام وليالٍ تحكي مرارة الغدر، ووحدة الشعب الذي أبهر العالم بصموده لاستعادة وطنه.

فبين قصف مدفعية وانفجار وألغام وأسر وتعذيب وتنكيل وقتل... لم تهدأ الكلمة ولا البندقية ولا الدعاء بالرغم من فظاعة الغزاة وشَنَاعَة حاكمهم.

واليوم في ذكرى الغزو الغاشم، يجدد الكويتيون عهد الوفاء للوطن، مؤكدين بأن الإرادة ووحدة الصف والتلاحم الوطني، هو الدرع الحصين في مواجهة التحديات.

الذكرى الـ 36 للغزو الغاشم

ستظل ذكرى ذلك - اليوم الأسود -في تاريخ الوطن حية في نفوس أبناء الكويت الذين عاشوا مرارة الغزو، وستظل حية في نفوس الأبناء الذين لم يعيشوا تلك الفترة التي مرت على وطنهم، ولكنهم يعيشون أحداثها من خلال ذكريات الآباء والأجداد.

الخميس الأسود

يحمل في ذاكرته جرحاً عميقاً عن الغزو الغاشم، وهي ذكرى أليمة محفورة في وجدان الوطن يتناقلها الآباء إلى الأبناء لتبقى شاهداً على صمود لا يزول.

لقد سطّر الكويتيون في تاريخهم المجيد ملحمة الخلود من المقاومة والصمود في وجه الغزاة، وتجسدت هذه الملحمة في العديد من المواقف والأحداث، مثل المسيرات الاحتجاجية والمقاومة المسلحة والعصيان المدني والعمل على إدارة شؤون الوطن بسواعد أبنائها.

فرفضوا التعاون مع المحتل وأداروا شؤون الوطن بروح التكافل والوحدة الوطنية، ولم يجد الغزاة من يتعاون معهم وكان الرفض الشعبي حاضراً، فأربكوا الغزاة وشلّوا حركته الداخلية وأفشلوا محاولاته لطمس هوية الكويت.

ونحمد الله الذي جعل الصمود سبيل الأحرار ، وألهم شعب الكويت إرادةً لا تنكسر أمام الطغيان، فقوة الشعوب في وحدتها وإيمانها بحقها في الحرية والسيادة، وهذه التجربة علامة فارقة ومضيئة في تاريخ الكويت الحديث، ومثالاً للشعب الحر الذي لا يساوم على أرضه ولا يتنازل عن سيادته مهما اشتد القمع وتنوعت أساليب البطش.

إدارة مرافق الدولة

لقد أثبت أبناء الكويت في ساعة الشدة أنهم رجال المواقف وأبطال الأزمات فهبّوا إلى ميادين العمل، هذا السلوك يعكس معنى الوطنية الحقيقية بأن يقف الإنسان في الصفوف الأولى حين يحتاجه الوطن، و حيثما دعاهم الواجب فلا يأنفون من خدمة وطنهم في أي مجال ولا يستنكفون عن أي عمل، حيث جسّدوا روح التضحية والاعتماد على الذات فتركوا مظاهر الترف جانباً وانخرطوا في أشقّ الأعمال التي كانت حكراً على أبناء الجاليات الأخرى الذين غادروا الكويت عائدين إلى أوطانهم حفاظاً على سلامتهم.

و أدار الكويتيون مرافق الدولة الحيوية بأنفسهم عبر التطوع والتكافل الاجتماعي، وعملوا بإدارة المخابز لتأمين الغذاء، وتنظيم شؤون الحياة اليومية ودفن الشهداء والضحايا رغم الظروف القاسية.

وتواجدوا في المستشفيات والمستوصفات وفي الجمعيات وميادين الكهرباء والإطفاء والإسعاف حتى في تجهيز الموتى ودفنهم وجمع القمامة ونقلها من المدن إلى المحرقة، بالإضافة إلى توزيع المال على الأسر خلال فترة الغزو. ليؤكدوا أن الكرامة الحقيقية هي في خدمة الوطن وأن الاعتماد على النفس هو عنوان السيادة والاستقلال.

وأصبحت البيوت مدارس للوطنية ، حيث وقف جميع أركان الأسرة (الأجداد - الآباء - الأخوات -الزوجات) مع أبنائهم بلا خوف في وجه المعتدين وفاءً للوطن.

وتجلّى صوت الكويت الواحد:

(لا بديل عن الحرية ولا مساومة على الكرامة)

فبوركت سواعدهم وحُفظت لهم هذه المواقف في سجل العزّ والوفاء.

إن هذه الملحمة الخالدة ستظل شاهداً على أن الشعوب إذا اجتمعت على الحق قادرة على أن تهزم أعتى الغزاة، وتحافظ على هويتها مهما حاول المعتدي طمسها.

الدرع الحصين

وحدة الجبهة الداخلية والإرادة الصلبة والوعي العالي هو الدرع الذي يحمي الوطن، وتتلاشى أمامه المؤامرات، وقد شاهد الغزاة ذلك جلياً بالشعب الكويتي الذي جمعته الوطنية والانتماء للكويت ، فمضى نحو هدف واحد وهو مقاومة الغزاة، فالوطن يجمع جميع أطياف المجتمع (الحضري -البدوي -السني -الشيعي -المسيحي - المقيمين الشرفاء من البدون).

كلهم وقفوا صفاً واحداً لتذوب فيها الفروقات وتعلوا فيها راية الوطن فوق كل اعتبار.

ملحمة الكرامة

ولا يغيب عن ذاكرتنا ذلك الوجه المشرق من البطولة حيث ارتقى رجال المقاومة المسلحة إلى مقام العزّ والخلود، فواجهوا الغزاة بجرأة المؤمنين وأرعبوا مضاجعهم بعمليات بطولية سجّلها التاريخ بأحرف من نور، لقد قدّموا أرواحهم قرابين للوطن وأثبتوا أن الكويت لا تُستباح وأن دماء أبنائها هي السور المنيع الذي يحميها من كل معتدٍ، فسلامٌ على الشهداء وسلامٌ على المقاومين الذين خطّوا بدمائهم ملحمة الحرية والكرامة.

وخير شاهد على ذلك هو - بيت القرين - الذي أصبح أمام العالم أجمع خير شاهد للجميع عن الفداء والتضحية والآباء، وأن الكويتيون اجتمعوا على كلمة سواء فهزمت أعتى الغزاة، وحافظوا على وطنيتهم الذي حاول المعتدي طمسها.

الدمار شمل الحجر والمدر

قام الغزاة بتدمير كل شيء فلم يسلم منهم الإنسان ولا الحجر ولا المدر، قتلوا، نكّّلوا، دمّروا، احرقوا، قاموا بجريمة العصر بحرق وتفجير آبار النفط حيث حجب الدخان الكثيف ضوء الشمس فكانت سماء الكويت تغطيها الغيوم السوداء ليلاً و نهاراً.

و لاننسى قضية الأسرى المفقودين الكويتيين الذين أعدموا ودفنوا في مقابر جماعية مجهولة إبان الغزو، ويعد ذلك جرحاً وطنياً وإنسانياً عميقاً، ولاتزال جهود البحث مستمرة عبر اللجان الدولية والوطنية للتعرف على بقية الرفات وإعادة السكينة لأهاليهم.

رحم الله أبطال الكويت

رحم الله أبطال التحرير ورموز الوطن، عملوا بتفانٍ وإخلاص وعمل دؤوب حتى تحررت الكويت.

الشيخ / جابر الأحمد الصباح

الشيخ/ سعد العبدالله الصباح

الشيخ / صباح الأحمد الصباح

الشيخ الشهيد / فهد الأحمد الصباح

الشيخ / سعود الناصر الصباح

الشيخ / جابر الخالد الصباح ( شافاه الله )

ولن ننسى شهداءنا الأبرار، من رجال وشباب، ونساء وفتيات، وما قدموه من تضحيات جليلة للوطن العزيز، سائلين المولي عز وجل، بأن يتغمدهم بواسع رحمته، ويسكنهم فسيح جناته، وينزلهم منازل الشهداء.

ختاماً

لوزارتي الإعلام والتربية الدور الأكبر في احياءً ذكرى الغزو الغاشم للأجيال القادمة، لغرس قيم الولاء وتلاحم الكويتيين، والتركيز في المناهج الوطنية لتعريف الأجيال القادمة بتاريخ الوطن وصمود أبنائه، وليكن مشروعاً وطنياً لغرس الولاء والانتماء في نفوس الأجيال والوفاء لمن خدموا الوطن في الأزمات ولشهدائنا الأبرار.

من ديوان الشاعر المرحوم / علي المتروك

بعنوان – كويت يا رمز الوفاء

يَا وَطَنًا يُرْمَز نَحْو الْعُلَا ... لِأَنَّك الأَرْحَب وَالأَقْدَر

يَا وَطَنًا مَا ضَاقَ عَنْ هَمَّنَا ... فَكُلُّ مَا دُونَكَ يَسْتَصْغِر

ويخاطب الغزاة :

فِي كَيْفَان...فِي خِيطَان... فِي الجَهْرَاء...فِي كُلِّ حَيٍّ عَنْ كُوًيتنا نَذُود

فَهَذِه كُوًيتنا ... رِجَالِهَا نِسَاؤُهَا شَبَابُهَا عَنْوَد

لَا فَرْقَ انْ هَاجَمكم (مُطْلَقُ) أَوْ (عَبَّاسِ) أَوْ (سُعُود)

فَأَقْسَمُوا أَنْ يَطْرَدُوكُمْ خَارِجَ الْحُدُودِ

اللهم احفظ الكويت آمنة مطمئنة ، والحمدلله رب العالمين.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد