بشكل عام، اعتمدت الدراسة لدينا، ولا تزال، على الحفظ أو على حل المسائل، وكنت سيئا في الاثنين، وربما كنت جيدا في الملاحظة والنقد، وهذا ما لم يكن مسموحا به، لا بالأمس ولا اليوم، فتدريس التفكير النقدي، وفتح المجال أمام الطالب للسؤال والانتقاد لم يكن مسموحا به. وعندما حاولت كسر تلك القاعدة في ثانوية كيفان المسائية، اضطرت إدارة المدرسة للاستعانة بالمباحث لوقف سيل أسئلتي المشككة.
لا شك أن الحصول على أعلى الدرجات في المدرسة، والجامعة، أمر مهم، لكنه لم يكن يعني الكثير بعد التخرج، والسبب كان يعود، غالبا، لعدم علاقة مواد الدراسة بالواقع المعاش، وتركيز المقرر على الحفظ، وليس الفهم والسؤال والشك، والنقد، بل القبول، والحفظ والتزام الصمت، بخلاف هزالة المواد الدراسية.
* * *
تقع على أكتاف المهندسين مهمة بناء مرافق الدولة، التي يمكن معرفة درجة تقدمها من خلال عدد نوعية مهندسيها. وكنت أعتقد أن دراسة الهندسة الكهربائية هي الأكثر صعوبة، كما الحال مع أكثر المواد العلمية، لكن تبين عدم صحة ذلك بالمطلق، فهذه المواد تعتمد، في الغالب، على فهم المعادلات، ومتى ما فُهمت زال الابهام عنها، بخلاف المواد الأدبية التي تحتاج للإبداع، مثل كتابة الرواية والشعر وغير ذلك. وبالتالي ليس من السهل اختيار مادة ووصفها بالأصعب، فالأمر يعتمد، غالبا، على نقاط قوة أو ضعف الإنسان. لكن يمكن من خلال مؤشرات محددة الحكم على صعوبة مادة مقارنة بغيرها، من خلال ملاحظة معدلات التسرب، وعبء الدراسة، التي نرى أنها مثلا تتزايد بين دارسي الفيزياء، خاصة ميكانيكا الكم والكهرومغناطيسية، وذلك لاعتمادها على رياضيات متقدمة ومفاهيم مجردة يصعب تصورها، وحاجتها إلى حساب التفاضل والتكامل، والمعادلات التفاضلية، والتفكير رباعي الأبعاد، التي لم أفقه ولن أفقه منها شيئا يوما.
كما هناك الكيمياء العضوية، التي لا تكفي معرفتها من خلال حفظ التفاعلات الكيميائية، بل يتطلب الأمر تفكيرًا مكانيًا ثلاثي الأبعاد، وفهمًا للآليات، وإدراكًا للأنماط، ودراستها أداةً أساسيةً لاستبعاد الطلاب غير المؤهلين لدراسة الطب.
وثالثا تأتي الرياضيات المتقدمة، التي تعتمد على التحليل الحقيقي، والجبر المجرد، والمعادلات التفاضلية، وخلالها يتم الانتقال من «احسب هذا» إلى «أثبت هذا من المبادئ الأساسية».
وتأتي رابعا مادة «أساسيات الهندسة»، والديناميكا الحرارية، وميكانيكا الموائع، والدوائر الكهربائية، التي تحتوي على كم هائل من المسائل، وضرورة المشاركة في المختبرات، والمشاريع الجماعية.
وأخيرا، وليس آخرا، تأتي علوم الكمبيوتر التي تعتمد على الخوارزميات وهياكل البيانات، وأنظمة التشغيل، والتي تحتاج إلى المنطق الرياضي وبناء مشاريع ضخمة تستغرق 10 ساعات في تصحيح الأخطاء، ومن يعرفون البرمجة فقط، دون التفكير الحسابي، غالبا ما يعجزون عن الاستمرار في دراستهم.
تكمن المفارقة في أن من يسيّرون أمور العالم ويتحكمون فيها، من سياسيين، ومشرعين، وكبار رجال الأعمال، لا علاقة لهم، جميعا تقريبا، بأي من المواد أعلاه.
أحمد الصراف

