في اللغة السياسية والدبلوماسية، الكلمات ليست مجرد تعبيرات لغوية.. بل «درجات موقف» محسوبة بدقة، وكل كلمة تحمل رسالة سياسية وقانونية مختلفة من حيث القوة والتصعيد والنية المستقبلية.
بعد التقصي والبحث اتضح ان «الاعراب عن القلق» هي أضعف الصيغ تقريبًا، وتحمل معنى «نراقب الوضع ولسنا مرتاحين، لكننا لا نريد التصعيد». وذلك غالبًا ما يكون لعدم اكتمال المعلومات او ان الدول تريد البقاء على الحياد.
اما جملة «نتابع بقلق» فهي أقوى قليلًا من مجرد القلق، وتعني: أن هناك مراقبة رسمية، واحتمال تطور الموقف لاحقًا.
الاعراب عن «نأسف»، تعتبر لغة ناعمة جدًا ودبلوماسية للغاية، وتُستخدم عندما تريد الدولة: تجنب الإحراج المباشر للطرف الآخر، أو الحفاظ على العلاقات.
واذا جاء بالبيان كلمة «نرفض»، فهنا يصبح الموقف أوضح، لكن دون تهديد مباشر.
«الاستنكار» يعني الدخول بمرحلة الاعتراض العلني الواضح، بمعنى ان الرفض سياسي وأخلاقي، وهو بمنزلة رسالة احتجاج رسمية.
اما اذا ورد بالبيان كلمة «نستهجن»، فذلك يحمل غضبًا أكبر، ويُفهم منه ان «ما حدث مستفز ومرفوض بشدة».
نأتي الى الادانة (ندين)، وهنا تبدو ان المرحلة ثقيلة جدًا سياسيًا.. وهي تعني تحميل مسؤولية، واعتبار ان الفعل انتهاك خطير، وغالبًا ما يُمهد ذلك الى عقوبات، او ضغوط أو إجراءات عملية.
«تحميل المسؤولية الكاملة» هي مصطلحات اشد من الإدانة، ولم تعد مجرد إدانة عامة.. بل تحديد مباشر للمسؤول، وربط النتائج القانونية والسياسية به.
واذا صاحبت ذلك عبارة «سنحاسب وسنتخذ الإجراءات اللازمة»، فيعتبر ذلك لغة تهديد سياسي أو أمني مباشر.
وغالبًا ما تسبق ذلك عقوبات او رد عسكري، أو تحرك دولي.
في الدبلوماسية.. كلما اقتربت اللغة من «الإدانة»، اقترب العالم من مرحلة الأفعال لا الأقوال.
الاستنكار «رفض»، أما الاستهجان فهو «رفض ممزوج بغضب واستهجان أخلاقي وسياسي»
بالنهاية عندما تبقى البيانات عند حدود «نستنكر» او «نعرب عن القلق»، فهذا يعني غالبًا أن الدول لا تزال تحاول احتواء الأزمة دون الانزلاق إلى مواجهة.
اما اذا صاحب المواقف الدولية بعض المصطلحات مثل «عدوان / جريمة حرب / انتهاك صارخ»، فذلك يعني القوة بالتأثير، لأنها تدخل في دائرة القانون الدولي، والمحاكم الدولية، وشرعية العقوبات أو التدخل. وهنا يتحول الملف من خلاف سياسي إلى ملف قانوني دولي ثقيل.
والأهم من الكلمات نفسها... بالطبع تأثير ما سبق كله عند الدبلوماسيين او المراقبين يعتمد على من الذي قالها؟ وفي أي توقيت؟ وهل صدرت منفردة أم جماعية؟ وهل تبعتها أفعال؟
في السياسة الدولية، الكلمة ليست مجرد تعبير.. بل «إشارة قوة» ورسالة قد تغيّر مسار أزمة كاملة.
في الدبلوماسية.. اختيار الكلمة ليس صدفة، فأحيانًا تقضي الدول ساعات طويلة للتفاوض على كلمة واحدة داخل بيان دولي، لأن الفرق بين: «نستنكر» و«ندين» قد يعني الفرق بين: مجرد موقف إعلامي، أو بداية مسار عقوبات وتحالفات.
إقبال الأحمد

