في مشهد استثنائي، تعاني فيه سلاسل الإمداد العالمية من اضطرابات غير مسبوقة، بفعل الأزمة الجيوسياسية في منطقة الخليج العربي، وتداعياتها المدمرة، متمثلة في إغلاق مضيق هرمز، كانت المملكة مطمئنة البال، بعدما أثبتت قدرة فائقة على تجاوز الصدمات العالمية بأقل الخسائر، مستندة إلى نهج رؤية المملكة 2030، القائم على تفعيل المرونة واستشراف المستقبل، عبر تعزيز إمكانات القطاع اللوجستي، والوصول به إلى أبعد نقطة من التأهيل والاستعداد لأي طارئ، ليكون اليوم بمثابة درع دفاعية اقتصادية، تستفيد منه المملكة والعالم، وهو ما يبرهن على قدرة المنظومة الوطنية السعودية، على تحويل التحديات الجيوسياسية، إلى فرص ريادية، تعزز الاستقرار والرخاء العالميين.
أقل ما تُوصف به المملكة اليوم، أنها مركز لوجستي على درجة عالية من الأهمية، وما كان لها أن تصل إلى هذا المستوى، لولا أنها تتمتع بموقع إستراتيجي، انتبهت إليه رؤية المملكة، وسعت إلى استثماره بمنهجية علمية دقيقة، صنعت منه واقعاً اقتصادياً جديداً؛ تدعمه شبكات الربط النوعي بين المعابر المائية الحيوية في منطقة الخليج العربي، فضلاً عن منصات نقل جوي وسككي متطورة وآمنة، وتجسد هذا المشهد في خط أنابيب «شرق - غرب» السعودي، بوصفه من أهم صمامات الأمان في معادلة إمدادات الطاقة العالمية، الأمر الذي خفف من تداعيات إغلاق مضيق هرمز، وساعد إلى حد ما، في الحد من ارتفاع أسعار النفط عالمياً، وانعكس ذلك على ارتفاع أرباح شركة أرامكو السعودية في الربع الأول.
اهتمام المملكة بالقطاع اللوجيستي، لم يكن وليد الحرب في منطقة الخليج العربي، وإنما سبق التحديات الراهنة، ما يعني أن القيادة الرشيدة، كانت تقرأ المستقبل بشكل جيد، وتتوقع كل الاحتمالات، وتقرر أن تحتاط لأي طارئ، ومن هنا، أطلقت رؤية المملكة رحلة السعودية نحو المستقبل المزدهر، وحددت هدفاً أساسياً ومهماً، بأن تكون المملكة قوة صناعية رائدة، ومركزًا لوجستيًّا عالميًّا، يساعد على ذلك، حزمة خطط موجودة في برنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية، وترتكز هذه الخطط على مكامن القوة التي تتمتع بها المملكة، وعلى رأسها الموقع الإستراتيجي بين ثلاث قارات.
اليوم، تعلن البنية التحتية للقطاع اللوجستي السعودي عن نفسها، درعاً إستراتيجية، تضمن استمرارية تدفق الإمدادات؛ في تأكيد على أن قدرة المملكة على أن إيصال الطاقة لكل من يحتاج إليها في العالم، لا تقل أهمية عن عمليات الإنتاج نفسها، وهو ما يرسخ مكانة المملكة، باعتبارها مصدراً موثوقاً للطاقة، تعمل وفق مبادئ وقيم، لطالما التزمت بها، وهي تأمين الطاقة للعالم، بأسعار مناسبة للمنتج والمستهلك، بما يضمن استدامة الإمدادات في جميع الأوقات والظروف.

