هل الفكر أم المادّة، هو محرّك التاريخ؟ وهل محرّك التاريخ هو الشعب، أم قادته الملهمون؟ وهل هو الفعل الداخلي أم التأثير الخارجي؟... لا شكّ في أنه شيء من ذلك كلّه، بنسب متفاوتة من حدث لآخر. ولنتوقّف قليلاً عند الجانب الفكري في مهبّ العاصفة التي نعيش. فالفكر هو أداة تنويرية عظمى لا يمكن من دونها إدراك الواقع وتغييره. ولا شك في أن ظهور الطباعة عام 1450 في ألمانيا على يد يوهان غوتنبرغ كان أحد أهمّ العوامل في إطلاق تلك الثورة الثقافية الكبرى التي هي النهضة الأوروبية، التي نقلت الغرب والعالم من القرون الوسطى إلى الأزمنة الحديثة. فملكة القراءة، وهي السبيل إلى المعرفة، لم تعد مقتصرة على القلّة النادرة من النبلاء ورجال الدين، الذين بمقدورهم الحصول على الكتاب المنسوخ النادر والباهظ الثمن، إذ أصبحت الكتب المطبوعة بملايين النسخ بمتناول جميع الناس، ومعها المعرفة.
لكن للمعرفة الفكرية وجهها الآخر. فحين تتحوّل المعرفة إلى نظام آيديولوجي مغلق، يجيب عن جميع الأسئلة من منظور واحد، ويخلق عقائد مطلقة لا يمكن المساس بها، لا تعود في حالات كثيرة أداة للتنوير، إذ تضحى حجاباً سميكاً يحول دون رؤية الواقع على حقيقته، مع ما ينتج عنه من عواقب مأساوية تصيب المجتمعات.
ثمّة أمثلة كثيرة على ذلك. منها، على سبيل المثال، أنه عشية حرب 1975 التي شهدها لبنان، والتي ما زالت نتائجها تتوالى فصولاً حتى اليوم، وبينما كان الصراع الطائفي المسلّح بلغ أوجَه آنذاك منذراً بالانفجار الكبير، كانت «القوى التقدّمية»، الماركسية أو المتأثرة بالفكر الماركسي، تعتبر أن الصراعات الطائفية قد انتهت في لبنان وحلّ محلّها الصراع الطبقي. ولما كان الفكر الماركسي وامتداداته في حينه هو الأكثر تأثيراً في النخب الفكرية، ليس في لبنان فحسب، بل في العالم أجمع أيضاً، ساد الاعتقاد لدى مجمل النخب - عدا استثناءات نادرة جداً - بأن المسألة اللبنانية ليست طائفية في شيء، بل اجتماعية اقتصادية مندرجة في صراع الطبقات. كان ذلك بمثابة عمى غريب في رؤية الواقع، يصعب علينا اليوم فهمه. ومع اندلاع الحرب، واستحالة التطابق بين الصراع الطائفي المتفجّر والصراع الطبقي المنشود، طلعت «القوى التقدمية» بنظرية الطائفة-الطبقة، الغريبة العجيبة، التي لا سابق لها في المسارات الماركسية في العالم.
وبعدما سقط عشرات آلاف القتلى، وما حلّ بالبلاد من خراب ودمار وتهجير، أدركت معظم النخب الماركسية واليسارية كم كانت رؤيتها للواقع اللبناني خاطئة، فأجرت نقداً ذاتياً شاملاً لنهجها، خصوصاً نظرية الطائفة-الطبقة، والخطأ الكبير في «تحميل لبنان أكثر من طاقته بكثير». وبعد ذلك، دفع بعض قيادات تلك النخب حياته ثمناً لنقده الذاتي.
لكن، على الرغم من ذلك، ما زال هناك في الواقع الراهن، العديد من الأصوات غير المندمجة، كليّاً أم جزئيّاً، في منحى النقد الذاتي الذي حدث. ومع أن هذه الأصوات لا وزن حزبياً أو شعبياً كبيراً لها اليوم، فلا بدّ من التوقّف عندها في خضمّ الصراع الكبير والخطير الدائر الآن بين دعاة المشروع اللبناني ودعاة المشروع الإقليمي في لبنان. فمن اللافت أن ما تبقّى من مؤيدي المشاريع الإقليمية السابقة التي توالت على لبنان بعد سقوط السلطنة العثمانية قبل قرن من الزمن، من دعاة الوحدة السورية، البعثية والأسدية والقومية السورية، والعمل الفلسطيني المسلّح في لبنان، وغلاة النزعة الأممية أو الوحدوية الشاملة، هم ملتفّون حول «حزب المحور» الإيراني، الذي يجسّد المشروع الإقليمي في لبنان في صيغته الراهنة. وذلك على الرغم من التناقضات الآيديولوجية العميقة بينه وبينهم. فالمهم لدى هذا التحالف، بحزبه المحوري ومناصريه من المشارب الأخرى، أمر مزدوج: مواجهة المشروع اللبناني، ومحاربة إسرائيل وأميركا من لبنان.
لكن هناك فئة أخرى من بقية المشاريع الإقليمية المتوالية تحاول القول إنها غير موافقة على المشروع الإيراني، لكنها غير مندمجة في المشروع اللبناني، باحثة عن خط ثالث ما. ترى ما هو؟ دعاة هذه الفئة هم ضحايا تشوّهات آيديولوجية في علاقتهم بذاتهم وبالواقع. يتصوّرون أنفسهم على اليسار؛ أي مع حركة التقدّم، ويعتقدون أن المشروع اللبناني على اليمين؛ أي مع حركة التخلف. والواقع عكس ذلك تماماً ولا يدرون. فللمشروع اللبناني الفضل الأكبر في الإنجازات المعرفية والحياتية والإنسانية والحضارية التي عرفها المشرق منذ أكثر من قرن ونصف القرن. والمشاريع الإقليمية المتوالية لم تحمل في طياتها إلا الاستبداد والقمع والتخلف. وهم لا يعون.

