: آخر تحديث

بريطانيا... نهاية الولاءات القديمة

3
2
3

انتهت الانتخابات المحلية في بريطانيا، وظهرت النتائج، وأكدت أنَّ الساحةَ السياسية التي كانت محتكرةً طيلة عقود طويلة من حزبين يَتواليَانِ حكمها، قد صارت الآن ملعباً مفتوحاً أمام سبعة أحزاب. وأبانت كذلك أن بريطانيا ليست بمعزل عما يحدث في جوارها وحولها من تغييرات في التضاريس السياسية بكثير من البلدان، ونتيجة لذلك، ليس بمستغرب لو رأينا قريباً نايجل فاراج زعيم حزب «الإصلاح» البريطاني اليميني الشعبوي، يجلس في 10 دوانينغ ستريت.

هزيمة حزب «العمال» في الانتخابات البلدية بإنجلترا، والبرلمانية في ويلز واسكوتلندا، الأسبوع الماضي، كانت متوقعة ومنتظرة في آن. قبل أسابيع من حدوثها، كانت الكتابة على الجدران بخط عريض: هل هذه بداية النهاية للولاءات الحزبية القديمة؟

نتائج الانتخابات جاءت لتؤكد مؤكداً؛ وهو أن بريطانيا، منذ الاستفتاء على «بريكست» في عام 2016، انعطفت في طريق مهّده اليمين القومي المتشدد. ودخلت مرحلة تتغير فيها الأولويات، لتحظى قضايا الهوّية القومية والهجرة بالذروة، في تناسق وتناغم مع ما يحدث في دول أوروبا وفي أميركا وفي أميركا اللاتينية. الشعبويون البريطانيون ساروا على خطى الشعبويين الأوروبيين، وركبوا موجة الهجرة ورفض المهاجرين.

المرحلة الجديدة المقبلة في بريطانيا خطرة، بناءً على معطيات الواقع السياسي والاقتصادي، وما يقدمه مختلف القراءات السياسية، لأنها من المتوقع أن تدخل بريطانيا في طريق غير مألوف. وإن جاز الوصف، يمكن القول إنها من المحتمل أن تكون بمثابة قفزة غير محسوبة في الهواء، وقد لا تكون أيضاً إذا تغيرت الظروف.

هذا الرأي قد يبدو في ظاهره متسرعاً، وربما يوصف بأنه يتنكر لما عُرف به النظام البريطاني من مرونة، ويتجاهل قدرته التاريخية المثبتة على استيعاب وتحمل الصدمات وعلى تجاوزها. وقد يبدو للبعض الآخر أنه لا يأخذ في اعتباره كذلك طبيعة النظام الانتخابي البريطاني والناخب البريطاني. وكل ما سلف لا يجانبه الصواب. وفي المقابل، فإن التفاؤل القائم على تجاهل ما يحدث على أرض الواقع ليس مقبولاً، ونحن نرى الشعبويين (من اليمين واليسار) يتقدمون نحو المركز من الساحة يوماً بعد آخر، قادمين من نقطة كانت بعيدة في الهامش السياسي، فإذا بهم على مرمى حجر من مركز المتن. نايجل فاراج قائد المسيرة الشعبوية، كان في سنوات قليلة مضت، محط سخرية وتهكم، ها هو، هذه الأيام، يقتحم بقواعده الشعبية معاقل وقلاع «العمال» و«المحافظين» التاريخية، ويرفع أعلامه فوقها.

وأن يخسر «العمال» و«المحافظون» دوائرهم الموالية تاريخياً ليس بالأمر الجديد؛ فقد حدث الأمر نفسه من قبل مرّات عدة، واستردوها فيما بعد. المختلف هذه المرّة هو عدد الدوائر التاريخية التي فقدوها في ضربة واحدة، وطبيعة العدو أو الخصم الذي استحوذ عليها.

الشعبويون من اليمين (حزب الإصلاح) واليسار (حزب الخضر)، والقوميون في ويلز (حزب ويلز القومي) واسكوتلندا (الحزب القومي الاسكوتلندي)، يزحفون من جميع الاتجاهات، ويوطدون أقدامهم في كل المناطق التي تمكنوا من اقتحامها، وهم مدعومون بقواعد شعبية كانت طيلة سنوات تدين بالولاء للعماليين والمحافظين، ولم تعد ترى في الالتصاق بتلك الولاءات القديمة فائدة ترجى. يرى المعلقون أن الناخب البريطاني أضحى مؤخراً أكثر استعداداً لتغيير بوصلته بناءً على قضايا محددة (مثل الهجرة أو المعيشة)، بدلاً من الولاء الحزبي المتوارث.

إلى أين تتجه بريطانيا؟ سؤال ربما كان في السابق غير قابل للطرح. فبريطانيا كانت تُمثل بقطار وضع على قضبان سكة حديد نحو جهة مقصودة، بغض النظر عمن كان أو يكون في مقعد القيادة. الآن أصبح السؤال نفسه شوكة في حلق العديدين. الزعيم اليميني الشعبوي نايجل فاراج وقد وضع «رجله في الركاب»، يبدو من خلال ما ينشر له من صور في وسائل الاعلام، مثل إمبراطور في انتظار حفل التتويج النهائي بالانتخابات البرلمانية المتوقعة في عام 2029. وهو بعد ما حققه من إنجاز تاريخي في فترة زمنية تعدّ قصيرة، يدرك أن المسافة المتبقية نحو الهدف، أضحت قريبة جداً لدى المقارنة بما قطعه من مسافات.

المحللون السياسيون البريطانيون يراهنون على أن النظام الانتخابي البريطاني سيكون عقبة كأداء أمام نايجل فاراج، كونه نظاماً تأسس على دوائر انتخابية، وليس على نظام عدد الأصوات. ويقولون إن عدد الأصوات الكثيرة لا يهم ما لم تكن مركّزة جغرافياً، بينما تشتتت أصوات مؤيدي فاراج في كل الدوائر دون أن تحقق أغلبية في معظمها. ويحاججون بأن حكومة كير ستارمر الحالية، تشكلت بأقل نسبة تصويت شعبي لحزب فائز في تاريخ بريطانيا الحديث (33.7 في المائة)، رغم الغالبية البرلمانية الكبيرة 411 مقعداً. في حين حصد حزب فاراج (الإصلاح البريطاني) نسبة هائلة من الأصوات بلغت نحو 14.3 في المائة، (أكثر من 4 ملايين صوت)، ومع ذلك لم يحصل إلا على عدد 5 مقاعد فقط (أي أقل من 1 في المائة من المقاعد). وهذا الرأي يقود بالطبيعة إلى السؤال التالي: هل يستطيع النظام الانتخابي البريطاني الصمود طويلاً أمام ضغط الملايين الذين لا يجدون تمثيلاً عادلاً في البرلمان؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد