: آخر تحديث

اكتشف حلمك (1-3)

3
2
3

عبد الله سليمان الطليان

أحلام اليقظة هي سلسلة من الأفكار أو التخيلات أو المشاهد التي تنشأ في العقل تلقائيا أثناء اليقظة، دون أن يكون الشخص منغمسا في مهمة تتطلب تركيزا كاملا.

من منظور نفسي، هي حالة طبيعية جدا حيث ينفصل الوعي جزئيا عن المحيط المباشر ليتجه إلى عالم داخلي خيالي. يمكن أن تكون إيجابية ومفيدة تساعد على التخطيط للمستقبل، حل المشكلات بإبداع، تخفيف التوتر، واستكشاف الأفكار، إن كثيرا من المبدعين والعلماء استلهموا إنجازاتهم من أحلام اليقظة وسعوا بقوة إلى تحقيقها رغم العواقب والظروف المادية والأسرية والاجتماعية.

إذا أخذنا الجانب الإيجابي في أحلام اليقظة، التي هيا بغير شك ملازمة لنا تمر بشكل دائم وعابر في مشاهدات ما حولنا من مظاهر زينة الحياة الذي نحاول أن نعيشها فتبحر عقولنا في الحلم الخيالي على نحو كبير ورغبة جامحة في داخلنا إلى تحقيقه، ولكن يعكر هذه الأحلام في أنها صعبة التحقيق يزيد في هذه الصعوبة عند الإفصاح عنها أحيانا لمن حولنا السخرية منها والتثبيط وتضخيم العواقب خاصة إذا كنا في محيط بيئة لاهية ذات عقول متبلدة ذات نمط استهلاكي عشوائي تهتم بثقافة تربية الجسم فقط.

لقد شدني كتاب (الإتقان) لمؤلفه الأمريكي روبرت غرين الذي عرض فيه تجارب بعض المبدعين والعلماء في الماضي والعهد والقريب، ورحلت الاستكشاف التي واجهوا فيها صعوبات وعواقب في تلك الرحلة قبل بلوغ الهدف، من ضمنهم من قدم خدمة للبشرية في استكشافاتهم التي نستخدمها الآن وهي ضرورية لحياتنا، وتمنيت لو درس للطلاب في التعليم عندنا بعض ما ورد في الكتاب لأن فيه حثا على الاستكشاف والاتقان، وسوف أسلط الضوء على اثنين فقط لأن هناك تجارب لعلماء ومبدعين عديدين ذكرت في الكتاب في الماضي والحاضر القريب ومراحل رحلة الاستكشاف والعثرات التي واجهتهم محولا ايجاز قدر المستطاع وأبدا بمايكل فارداي.

نشأ مايكل فارداي (1791م - 1867م) في بيئة فقيرة بلندن، وبدا حينها أن مصيره كان محددا على نحو شبه مؤكد منذ ولادته فهو إما أن يحذو حذو والده ويمتهن الحدادة، وإما أن يختار حرفة يدوية أخرى. كانت ظروفه لا تسمح له إلا بخيارات محدودة جدا، وكان على والديه توفير الطعام والرعاية لعشرة من الأولاد أطفال، وكان الأب يضطر إلى الانقطاع عن العمل بسبب المرض، والأسرة في أشد الحاجة إلى دخل إضافي. كان أبواه ينتظران بصبر نافد ذلك اليوم الذي يبلغ فيه الصبي فارداي اثني عشر عاما ليحصل على وظيفة، أو يتعلم نوعا من التلمذة المهنية. كان فارداي متشبعا بالفلسفة، وحين لا يكون منوطا بمهمة أو مشغولا بعمل لوالدته كان يذهب إلى السوق، ويتجول في شوارع وسط لندن، مراقبا العالم من حوله بأقصى درجات التركيز؛ إذ بدت الطبيعة له عالما آخر مليئا بالأسرار التي كان يفكر فيها مليا ويأمل في سبر غورها. ولما كان قد نشأ على عقيدة ترى أن الوجود الإلهي هو في كل مكان فإن كل شيء من حوله استحوذ على اهتمامه، وكان لديه فضول لا يعرف حدا، كان يطرح على والديه، أو على أي شخص يجده أمامه، الأسئلة التي لا نهاية لها عن النباتات، أو المعادن أو أي حدث لا يمكن تفسيره في الطبيعة، وبدا تواقا للمعرفة، ومحبطا من افتقاره إلى وسائل الحصول عليها. في أحد الأيام، وبينما كان في جولته الاعتيادية، ساقته قدماه إلى متجر قريب متخصص في تجليد الكتب وبيعها، فأذهله منظر الكتب الكثيرة اللامعة على الرفوف.

أثرت نظرات الإجلال والإكبار التي أبداها الشاب اليافع للكتب في صاحب المتجر. واسمه (جورج رابيو)، ونالت استحسانه فهو لم يسبق له أن التقى من قبل شخصا في هذا العمر على هذه الدرجة من الحدة في التركيز والتأمل، فشجعه على العودة، وأصبح فارداي من المترددين على المتجر، ورغبة منه في مساعدة أسرة فارداي عرض رايبو عليه وظيفة في خدمة التوصيل، وبعدما أعجب بما أبداه من خلق ونزاهة في العمل دعاء إلى المحل نفسه ليعمل في تجليد الكتب، فقبل فارداي العرض بكل سرور، وفي عام 1805م بدأ يتدرب على هذا النوع من التلمذة المهنية، وقد استمرت مدة التدريب (7) أعوام في الأشهر الأولى من العمل لم يكد فارداي يصدق حظه السعيد، وقد أصبح محاطا بهذه الكتب إذا كانت الكتب الجديدة في ذلك الوقت سلة نادرة من السلع الكمالية التي لا يحظى باقتنائها سوى الأغنياء من الناس، ولا يمكنك أن تجد حتى في المكتبات العامة أيا من الكتب التي تجدها في متجر رابيو. وقد شجع صاحب المتجر تلميذه على قراءة ما يعجبه من الكتب خارج ساعات العمل، ولم يكن فارداي ليفوت فرصة كهذه، فكان يقرأ بشغف شديد كل كتاب يقع بين يديه، وفي إحدى الليالي قرأ مبحثا من موسوعة عن أحدث الاكتشافات في مجال الكهرباء، وشعر فجأة كما لو أنه قد عثر على دعوته في الحياة، فها هنا ظاهرة غير مرئية للعين، ولكن يمكن الكشف عنها وقياسها عن طريق التجارب، وهذه العملية المتعلقة بكشف أسرار الطبيعة عن طريق التجربة استهوته وأسرت عقله، وبدا له أن العلم هو سعي عظيم للكشف عن أسرار الخلق وبطريقة أو بأخرى بدأ فارداي مسيرته في تحقيق طموحه بالتحول إلى عالم.

في عام 1809م وصل إلى المتجر كتاب يحمل في ثناياه بارقة الأمل، كان عنوانه «تحسين العقل»، وهو دليل للمساعدة الذاتية من تأليف القس إسحاق واتس، وكان نشر أول مرة عام 1741م. كشف الكتاب عن نظام للتعلم وتحسين الفرص في الحياة، بغض النظر عن الطبقة الاجتماعية للقارئ، واشتمل على مسارات وخطط عملية يمكن لأي شخص أن يتبعها، واعدا قراءه بتحقيق النتائج المنشودة قرأ فارداي الكتاب مرارا وتكرارا، وكان يحمله معه أينما ذهب.

عمل فارداي بنصيحة الكتاب وطبقها حرفيا. لقد كان واتس يرى أن التعليم عملية تفاعلية نشيطة، وكان ينصح بعدم الاكتفاء بالقراءة عن المكتشفات العلمية، بل إن تتبع القراءة بإعادة إجراء التجربة التي أفضت إلى تلك المكتشفات عمليا. وهكذا، وبمباركة رايبو بدأ فارداي سلسلة من التجارب الأساسية في الكهرباء والكيمياء في غرفة خلفية من المتجر. وكان واتس قد شدد على أهمية وجود مدرسين، وعدم الاكتفاء بالتعلم من الكتب، فبدأ فارداي بحضور محاضرات عديدة عن العلوم التي كانت رائجة في لندن في ذلك الوقت.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد