: آخر تحديث

قمة ترمب وشي ستُحدث فرقاً حقيقياً هذه المرة

1
2
2

يمكن لقمم القوى العظمى أن تحمل قدراً هائلاً من الدراما. فاللقاء الذي جمع الرئيس الأميركي جون إف. كينيدي بالزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشوف في فيينا عام 1961 كان تمهيداً لمواجهة مرعبة بشأن برلين الغربية. أما الاجتماع الذي عُقد بين اثنين من خلفائهما، رونالد ريغان وميخائيل غورباتشوف، في ريكيافيك بآيسلندا عام 1986، فقد أثار الآمال بنزع السلاح النووي ثم بدّدها.

وقد تابع العالم باهتمام لقاء الزعيم الصيني شي جينبينغ والرئيس الأميركي السابق جو بايدن على هامش قمة «مجموعة العشرين» السنوية في بالي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، في محاولة لاحتواء التوترات التي تصاعدت أثناء أزمة صيفية بشأن تايوان. وإذا ما انعقد هذا الأسبوع بالفعل، رغم التوتر الناجم عن الصراع المحتدم في الخليج، فإن الاجتماع المرتقب بين شي والرئيس الأميركي دونالد ترمب سيحظى بدوره على اهتمام عالمي واسع.

وعلى مدى يومين في بكين، سيناقش الزعيمان مجموعة من القضايا الاقتصادية والجيوسياسية. وسيعكف المحللون على تفكيك دلالات التوترات التجارية ومستويات الرسوم الجمركية. كما سيدققون في اللغة التي يستخدمها شي وترمب بشأن القضايا الحساسة مثل تايوان والذكاء الاصطناعي، وسيحاولون توقع الطرف الذي سيحصد المكاسب الأكبر من أي تفاهمات تتعلق بأشباه الموصلات أو فول الصويا.

لكن، وبرغم أهمية هذه التفاصيل، فإنَّ القصة الحقيقية لا تكمن فيما قد يرد في البيانات المشتركة، فالقصة الحقيقية هي أن التنافس بين الولايات المتحدة والصين يزداد احتداماً بصورة كبيرة، عبر مناطق متعددة ومجالات متنوعة، حتى في الوقت الذي سعى فيه شي وترمب إلى هدنة مؤقتة بينهما.

إن التحدي الصيني للنفوذ الأميركي يزداد وضوحاً وحدةً يوماً بعد يوم، وقد لا تكون الأزمات المقبلة بعيدة، ويدرك الرئيس الصيني أن المتاعب تلوح في الأفق القريب، ولذلك يسعى إلى حشد كل أوراق القوة الممكنة. وكما جرت العادة، يبقى من الأصعب فهم ما الذي يسعى إليه ترمب تحديداً، وما إذا كانت إدارته تستثمر فترة التهدئة الحالية على نحو فعَّال.

فقد كانت الولاية الأولى لترمب بمثابة مغامرة إلى حد ما فيما يتعلق بالسياسة تجاه الصين. فقد ظلت النزعة المتشددة والسياسة القائمة على الصفقات والتعاملات تتصادمان باستمرار. وعلى مدى ثلاث سنوات، لم يكن واضحاً ما إذا كان ترمب يسعى إلى إبرام صفقة تجارية كبرى، أم إلى إطلاق حرب باردة جديدة. لكن النتيجة النهائية، مع ما أحدثته جائحة «كوفيد - 19» من ضغوط إضافية على العلاقة بين البلدين، كانت واضحة: التحول نحو منافسة أشدّ في مختلف المجالات، من الترتيبات التجارية إلى الشؤون العسكرية.

أما سياسة ترمب تجاه الصين في ولايته الثانية، فقد بدت أكثر تطرفاً واضطراباً، إذ بدأت بفرض رسوم جمركية مرتفعة للغاية، وبحديث عن صعود «الصقور المتشددين» في واشنطن، قبل أن يتراجع الاثنان معاً بعدما أدت الحرب التجارية المبكرة التي شنها الرئيس الأميركي إلى نتائج عكسية.

وكانت إدارة ترمب تعتقد أنها تمتلك القدرة على التحكم في مسار التصعيد حين فرضت على بكين رسوماً جديدة في أبريل (نيسان) 2025، انطلاقاً من أن الصين تصدّر إلى الولايات المتحدة أكثر بكثير مما تستورده منها. لكن آدم بوزن، من معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، كان قد حذّر بصورة استباقية من أن الولايات المتحدة تبقى عرضة للخطر، لأنها تفتقر إلى بدائل جاهزة للسلع والمكونات الحيوية التي تستوردها من بكين. وكتب حينها: «قد تعتقد إدارة ترمب أنها تتصرف من موقع قوة لكنها في الواقع تضع الاقتصاد الأميركي تحت رحمة التصعيد الصيني».

وبالفعل، هددت الرسوم الانتقامية الصينية بترك المستهلكين الأميركيين أمام رفوف فارغة. كما أن القيود الصارمة الجديدة على صادرات المعادن الأرضية النادرة توعّدت بشل شركات صناعة السيارات وشركات الدفاع الأميركية، ما أدى إلى تراجع ترمب، الأمر الذي بدوره قاد إلى هدنات متكررة بشأن التجارة والرسوم الجمركية، وإلى تليين الموقف الأميركي في قضايا أخرى أيضاً.

وتلقى «الصقور المتشددون» ضربات بعدما أُقيل مستشار الأمن القومي مايك والتز وعدد من كبار مساعديه. كما خففت الإدارة القيود المفروضة على بيع الرقائق الحاسوبية المتطورة إلى الصين، بعدما اكتسب المسؤولون الذين كانوا يأملون في إدمان بكين على التكنولوجيا الأميركية نفوذاً أكبر. وعملياً، جمّد ترمب اتخاذ تدابير جديدة تهدف إلى تقييد تدفق التكنولوجيا المتقدمة إلى الصين.

غير أن الأمر لم يكن ودياً بالكامل، إذ واصلت الإدارة تعزيز التعاون العسكري مع حلفاء الولايات المتحدة في غرب المحيط الهادئ، كما أطلقت واشنطن شراكات تتعلق بالمعادن الحيوية مع دول صديقة، إلى جانب مبادرات أخرى خاصة بسلاسل التوريد. وفي أواخر عام 2025، وافق ترمب بهدوء على صفقات أسلحة قياسية لتايوان.

لكن الإدارة الأميركية ظلت في الوقت نفسه تسعى إلى خفض حدة التوترات بين واشنطن وبكين، وكثيراً ما بدا ترمب أكثر اهتماماً بإبرام الصفقات، مثل شراء الصين للطائرات التجارية والمنتجات الزراعية الأميركية، من اهتمامه بملاحقة الملفات التي تمثل جوهر التنافس الاستراتيجي مع بكين.

وقد يبدو أن الطرفين يحاولان تفادي منافسة محصلتها صفر، وكأن عقداً من الاحتكاكات المتصاعدة بدأ يشهد انفراجاً. لكن الواقع يشير إلى أن ضغوط التنافس تزداد بوتيرة متسارعة، وأن الصين تزداد جرأة، حتى بينما يتطلع ترمب إلى لقاء «صديقه العزيز» شي.

ومن المؤكد أن المنافسة في مجال الإكراه الاقتصادي أصبحت أكثر صعوبة. فالأسلحة الاقتصادية تظل أفضل من الأسلحة الحقيقية، لأنها تتيح لأقوى قوتين في العالم فرض إرادتهما دون المخاطرة بالدخول في حرب. وعلى مدى سنوات، كانت هذه منافسة غير متكافئة، فقد اعتمدت الصين غالباً على أدوات مثل حظر التجارة وقيود السياحة لمعاقبة خصومها، بينما استخدمت واشنطن ضوابط التصدير وغيرها من الأدوات الدقيقة لتعزيز تفوقها على بكين، لكن هذا الوضع تغيّر؛ إذ أظهرت أزمة المعادن النادرة أن الصين باتت تمتلك ترسانة اقتصادية متطورة يمكن توظيفها بوصفها مصدر قوة جيوسياسية.

كما يبدو أن المواجهة التكنولوجية تتجه هي الأخرى نحو مزيد من التصعيد. فإطلاق نموذج «ميثوس» من شركة «أنثروبيك»، وهو نموذج متقدم للذكاء الاصطناعي يتمتع بقدرة لافتة على اكتشاف الثغرات السيبرانية واستغلالها، يشكّل لمحة استباقية عن مرحلة قد تصبح فيها المواجهة الأميركية - الصينية في الفضاء السيبراني أقل تسامحاً بكثير. ولا تزال الولايات المتحدة في موقع الصدارة، لكن النماذج الصينية قد لا تتأخر عنها سوى بضعة أشهر.

وبالنظر إلى مدى العدوانية التي أبدتها الصين في اختراق البنية التحتية الأميركية، فلا ينبغي الافتراض أن بكين ستتعامل بضبط نفس مع الأسلحة السيبرانية المتقدمة.

وليس الذكاء الاصطناعي الجبهة الوحيدة التي تدور عليها المعركة التكنولوجية، ففي مقال حديث بمجلة «فورين أفيرز»، حذّر مستشار الأمن القومي الأميركي السابق جيك سوليفان من أن الصين تسعى إلى الهيمنة في مجالات حيوية تمتد من بطاريات السيارات الكهربائية إلى التكنولوجيا الحيوية.

وقد بدا واضحاً أن المحللين الصينيين كانوا قلقين من استراتيجية «النادي متعدد الأطراف» التي انتهجتها إدارة بايدن لعزل بكين. أما اليوم، فهم يرون فرصاً أكبر للتفريق بين الخصوم والسيطرة عليهم في التعامل مع ترمب المتقلب والأحادي النزعة.

كما أن هناك غموضاً دائماً بشأن ما الذي يريده ترمب حقاً. فحتى بعد أكثر من خمس سنوات على وجوده في البيت الأبيض، لا يزال من الصعب تحديد ما إذا كان هدفه يتمثل في تعزيز الموقع الجيوسياسي للولايات المتحدة في مواجهة الصين، أم في إبرام صفقة تجارية تبدو مذهلة ظاهرياً، تزيد الصادرات الأميركية، لكنها تقدم تنازلات في ملفات تايوان والتكنولوجيا وغيرها من ساحات الصراع على النفوذ العالمي.

ومن المؤكد أن مسار التنافس الأميركي - الصيني سيتأثر بما سيحدث في بكين الأسبوع المقبل. لكنّ تأثيراً أعمق بكثير سيتحدد من خلال ما إذا كان الطرفان سيتخذان، أو لن يتخذا، خطوات خلال ما تبقى من ولاية ترمب وما بعدها، لتعزيز موقعيهما حول العالم.

ويبدو أن شي يدرك هذه الحقيقة بوضوح، بينما يظل ترمب شخصية يصعب فك شفرتها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد