: آخر تحديث

الخليج الذي لا يرون نجاحه

1
1
2

ابتُلينا بتيار من الكتّاب والمنظّرين الذين لا يرون في الخليج سوى "مشروع مؤقت" ينتظر السقوط عند كل أزمة.. بعضهم يتحدث بلغة أكاديمية، وبعضهم يرتدي عباءة الفكر والتحليل، لكن ما إن تقترب من نصوصهم حتى تكتشف أن كثيراً منها ليس سوى مزيج من الأيديولوجيا والأحقاد الدفينة.

أحد الأكاديميين العرب تحدث في مقال له عن الخليج والحرب مع إيران، متخيلاً أن المنطقة تعيش لحظة سقوط تاريخي، وأن دول الخليج اكتشفت متأخرة أنها كانت "تشتري الوهم" طوال العقود الماضية! والمشكلة هنا ليست في الاختلاف السياسي، فهذا أمر طبيعي، بل في ذلك المزيج العجيب بين الأيديولوجيا والحقد السياسي الذي يجعل بعض الكتّاب يرون المنطقة بعين أمنياتهم لا بعين الواقع؛ فهو يتمنى الانهيار ثم يبدأ بتحليله وكأنه حدث بالفعل!

دول الخليج اليوم ليست مجرد دول نفط كما يتخيل البعض، بل حضور سياسي واقتصادي وأمني يمتد تأثيره من واشنطن إلى بكين، ومن بحر العرب حتى آسيا الوسطى.. وهناك فرق كبير بين دول تبني جيشاً حديثاً ضمن تحالفات دولية واضحة، وبين دول تحتلها جماعات ومليشيات تعيش على شعارات فارغة؛ ولو تعرضت لبضع هجمات صاروخية من تلك التي تعرضت لها دول الخليج لتحولت إلى دول فاشلة خلال ساعات، ولرأينا المليشيات تتقاسم الشوارع قبل أن يصل الدخان إلى السماء.

والحقيقة التي يعرفها الجميع أن دول الخليج شهدت خلال السنوات الماضية أخطر الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، ومع ذلك لم تتوقف فيها الحياة يوماً واحداً؛ فالناس تذهب إلى أعمالها، والأسواق تفتح أبوابها، والمشاريع الكبرى تتقدّم في مواعيدها، والاقتصاد يواصل نموّه، بينما لا وجود للحرب إلا عبر الشاشات، وهذه ليست صدفة، وليست "وهماً باعه علينا الأميركيون" كما يردد البعض، بل نتيجة عقود من بناء الدول، وتطوير المنظومات الدفاعية، والاستثمار في الأمن والسياسة والعلاقات الدولية.

الدول العاقلة لا تعادي العالم ثم تتفاخر بالعزلة، ولا تترك أمنها للأمنيات والخطب الثورية؛ بل تبني مصالحها، وتنوّع تحالفاتها، وتشتري أفضل ما تنتجه الصناعات العسكرية في العالم.. لأن الدول تُقاس في النهاية باستمرار الحياة فيها، وثقة الناس بمستقبلها، ودول الخليج اليوم تجربة حاضرة بمؤسساتها وتحالفاتها وخططها وتنوّع شراكاتها، ومن حق أي كاتب أن ينتقدها، وأن يختلف معها، لكن من واجبه المهني أن يراها كما هي، لا كما يتمنى.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد