: آخر تحديث
جوائز

الغذامي.. رحلة سقوط الأصنام وانتصار التنوير

1
2
2

يُشكّل فوز الدكتور عبد الله الغذامي بـجائزة الكويت لعام 2025 في مجال العلوم الإنسانية والفنون والآداب محطة لتقييم مسار فكري اختار المراجعة النقدية الجادة رهانًا وحيدًا.

هذا التكريم يختزل عقودًا من الثبات المعرفي، بدأت بخلخلة القناعات السائدة في منتصف الثمانينيات، وصولًا إلى تكريس النقد الثقافي كأداة لتفكيك الظواهر والمعضلات المعرفية والأنساق المضمرة التي تحكمها.

هذه الرحلة المكللة بالتقدير لم تكن طريقًا مفروشًا بالقبول، إنما سلسلة معارك ضارية انطلقت من نقطة تحول أربكت السكون الثقافي بصدور كتاب "الخطيئة والتكفير".

لقد مثّل هذا الكتاب منعطفًا تجاوز حدود القراءة الأدبية؛ إذ كان إعلانًا مبكرًا عن قصور الأدوات التقليدية في استيعاب التحولات المعرفية. غدت "الخطيئة" في هذا المشروع توصيفًا لحالة الركون إلى القوالب الجاهزة التي حولت النص إلى بنية مغلقة، بينما تجلى "التكفير" كفعل تحرر منهجي استعان بالسيميولوجيا والتفكيك لإعادة الاعتبار لدور القارئ في إنتاج الدلالة.

غير أن هذا الطرح المنهجي اصطدم فورًا بممانعة شرسة تجاوزت الجدل الأكاديمي لتستقر في صلب صراع اجتماعي حاد بين تيارين غير متكافئين في سلطة التأثير آنذاك.

في تلك المرحلة، تمترس التيار المحافظ الرافض للحداثة داخل المؤسسات التعليمية والدينية وبنية المجتمع العميقة، مستخدمًا المنابر والوسائل الإعلامية للتحذير من منهج الغذامي بوصفه تهديدًا لثوابت الذائقة ومنظومة القيم. وسعى هذا التيار لتأليب الفضاء العام والمؤسسة الرسمية ضد "الحداثيين"، عبر تصوير المناهج النقدية الجديدة كمعاول هدم للهوية، مما جعل الصدام مواجهة تاريخية بين تيار يمتلك أدوات الوصاية والتحشيد، ومشروع يسعى للمساءلة وتفكيك سلطة النسق الواحد.

وسط هذا الاستقطاب، لم يكتفِ الغذامي بمواجهة الخصوم التقليديين، بل أثبت استقلاله المنهجي حين وجه مشرط النقد نحو "رفاق الحداثة" أنفسهم. ففي مراجعته للتيار الليبرالي، كشف الغذامي عن ارتهان هذا الخطاب لأنساق إقصائية لا تختلف في جوهرها عن خصومها، مما أشعل ضده حربًا من التيار الذي دعمه في البدايات.

هذا الموقف عكس صلابة فكرية ترفض الاصطفاف الأيديولوجي، مؤكدًا أن "النسق" ليس حكرًا على تيار دون آخر، وأن النقد الثقافي يجب أن يطال الجميع لكشف "المضمرات" التي توجه العقل الجمعي وتكرس قيم الفحولة والاستبداد خلف قناع البلاغة أو شعارات التحرر.

كما أن الشمولية المنهجية هي التي قادته لاحقًا لإعادة قراءة الرموز التاريخية كالمتنبي بوصفهم تجليات لنسق ثقافي ممتد، كما تجلت في تشريحه لتحولات الخطاب الديني في "الفقيه الفضائي"، وصولًا إلى مراجعاته الوجودية في "العقل المؤمن والعقل الملحد". في كل هذه المحطات، ظل الغذامي مخلصًا لمهمة فهم الآليات الذهنية المحركة للاستقطابات، بدلًا من التورط فيها.

وتأتي لحظة التكريم اليوم لتنصف مسارًا أثبتت فيه الأيام أن الأطروحات التي وُصمت سابقًا بالخروج عن الصف، غدت حجر الزاوية في فهم التحولات الاجتماعية المعاصرة.

إن فوز الغذامي بهذه الجائزة هو احتفاء بالمنهج الذي اختار المناطق المعتمة في الثقافة، وتأكيد على أن وظيفة المثقف الحقيقي تكمن في قلق السؤال وشجاعة تحطيم الأنساق، لفتح آفاق لوعي نقدي مستقل قادر على محاورة الواقع بروح العصر.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات