فيلم شهد أمين الروائي الثاني، يأتي ليثبت أنها مخرجة متميزة، المخرج الذي يستقي حكاياته من بيئته ومن خبراته الخاصة هو مخرج متفرد، والفيلم الذي يقدمه هو الفيلم الأفضل عندي.
أسرني الفيلم بتفاصيله التي تتحدث عن أشياء أعرفها، أسرني العمق الذي تغوص فيه شهد بشكل يكشف ببطء وبحميمية وبشاعرية عن أمور كثيرة ملتبسة، نعرف هذه الحكايا لكن أن تلمسنا بهذه الحدة، هنا يأتي دور الفن، ودور مخرجة بقدرة شهد أمين.
التمثيل أيضًا أذهلني، الأبطال، خيرية نظمي ونواف الظفيري ولمار فادن كانوا في قمة الإبداع، التمثيل الهادئ، الخافت، الذي يوصل إليك كل المشاعر بقوة بدون أن يصرخ في وجهك، يبكيك بدون أن ينشج هو، ويحملك على الابتسام بدون حركات بهلوانية أو إلقاء نكتة.
فيلم طريق يطرح عدة قضايا، البنت، الحرية، الهجرة، الأهل، الأجنبي، ولد البلد، المرأة، من خلال رحلة جدّة وحفيدتيها إلى الحج، والتي يتغير مسارها بالكامل بعد أن تهرب إحدى الحفيدتين. هذه الرحلة المضنية تذكر الجدة برحلتها من البلد التي ولدت فيها برفقة والدها والصعوبات التي واجهوها.
الشخصيات مكتوبة بحبكة عالية، حيث لا ملائكة ولا شياطين، لكل شخص عيوبه ومزاياه، شكوكه وحيرته، خيره وشره. الجدة تأمر حفيدتها بالانصياع والطاعة بوجه عبوس، لكنها تقطع الفيافي كي تبحث عنها، وحين تجدها ترفض أن تغادر حتى لو كان معنى ذلك أن تبات الليل في العراء تحت الثلج. والسائق الذي يحملهم معه، يبيع زمزم مغشوش، لكنه لا يستطيع أن يتركهم وحيدات في الطريق وكأنهم أصبحوا أهله.
يحملك الفيلم على طرح السؤال، هل تصرفات الإنسان تنبع من طبيعته أم أن الظروف والملابسات هي التي تحمله على ذلك.
مشاهد كثيرة لا يمكن نسيانها، حوار مختصر ومعبر، وحكاية معقدة وتحمل معان كثيرة، وأماكن كثيرة كلها بتصوير رائع.
العلاقات التي تربط الشخصيات ببعضها، حتى تلك القصيرة، تحثنا على التفكير، من أين تأتي العنصرية، إذا كنا نملك هذه القدرة على التعامل مع الإنسان كإنسان قبل تصنيفه كبدوي أو حضري أو أجنبي، قبيلي أو غير أصيل، بجنسية أو بدون.
زمن الفيلم في 2001، وهذا ما يفسر الكثير من الأمور التي لم تعد تحدث، خصوصاً بالنسبة للمرأة. الرحلة تكشف الكثير، والهجرة ليست فقط في الطريق لكنها هجرة أيضاً إلى الداخل، هجرة تجلو البصيرة، وتساؤلاتها تمنح النفس القدرة على التمييز، البحث عن إجابات يجعلك قوياً وصارماً وقادراً على خوض الصراعات، دون أن تفقد إنسانيتك.
العلاقات الإنسانية هي جوهر هذا الفيلم، وهي التي تجيب عن أسئلته.

