وأنا في بريمن الألمانية، تلك المدينة الشمالية الهادئة التي تتنفّس من رئة البحر وتاريخ المرافئ، وثاني ميناء في البلاد بعد هامبورغ وأصغرها 327 كم2، وجدتني لا أسير في شوارعها بقدر ما كنت أسير في طبقاتٍ من الزمن. كان الحيّ التاريخي هناك أشبه بذاكرة حيّة، لا تُعرض للفرجة بقدر ما تُعاش. طرقات ضيّقة مرصوفة بالحجارة، مبانٍ قديمة تتكئ على بعضها كأنها تتواطأ على حفظ السرّ، ونوافذ صغيرة تفيض منها حكايات لم تُكتب بعد. لكن ما استوقفني حقًا لم يكن المشهد ذاته، بل ذلك الإقبال الإنساني عليه؛ جموع السياح التي تتدفق بشغف، لا لشراء تحفٍ فحسب، بل لاقتناء لحظة اتصال مع زمنٍ لم يعيشوه.
هناك، بدا الماضي وكأنه لم يُهزم أمام الحاضر، بل تصالح معه. وعلى بُعد خطوات فقط، كان سوق المدينة الحديث ينبض بإيقاعٍ آخر: متاجر فسيحة، واجهات زجاجية لامعة، وشوارع تتسع لخطى العجلة اليومية. ومع ذلك، لم يكن بين العالمين صراع، بل حوار صامت؛ كأن المدينة تعلن أن التقدم لا يستلزم القطيعة، وأن الحداثة لا تعني محو الذاكرة.

في تلك اللحظة، تسلّل إليّ سؤال ثقيل: لماذا يبدو هذا المشهد غريبًا علينا؟ لماذا ألفنا، نحن في مجتمعاتنا العربية، أن يكون الدخول إلى "العصر" مشروطًا بالتخلّي عن كل ما سبق؟ كأننا صدّقنا، دون تمحيص، أن التاريخ عبء، وأن الأصالة عائق، وأن الماضي حجرٌ في طريق المستقبل.
منذ أن تدفّق النفط في عروق مدننا، لم نكتفِ بتغيير نمط حياتنا، بل ذهبنا أبعد من ذلك؛ حاولنا إعادة تعريف ذواتنا. راحت المعاول تهدم البيوت القديمة، لا لأنها متهالكة، بل لأنها "قديمة". واستُبدلت الأزقة الضيّقة بطرقٍ عريضة بلا روح، والمجالس الدافئة بواجهاتٍ باردة من الإسمنت والزجاج. لم يكن الهدم عمرانيًا فحسب، بل كان نفسيًا أيضًا؛ كأننا كنا نهدم داخلنا ما لا نجرؤ على مواجهته: شعورنا الخفي بالنقص.
لقد ظننا أن التقدّم يُستورد، وأن الهوية يمكن استبدالها كما تُستبدل الأثاثات. فلبسنا غير لباسنا، وسكنّا غير بيوتنا، وأحيانًا خجلنا من لغتنا وتاريخنا. وفي خضم هذا الاندفاع، فقدنا شيئًا لا يُعوَّض بسهولة: ذلك الخيط الخفي الذي يربط الإنسان بجذوره، ويمنحه الإحساس بالاستمرارية والمعنى.

وفي المقابل، حين تنظر إلى مدن أوروبية عديدة، من باريس إلى روما، ومن فيينا إلى أمستردام، تجد أن التاريخ هناك ليس مجرد ماضٍ يُحفظ في المتاحف، بل هو جزء من الحياة اليومية. البيوت القديمة تُرمَّم لا تُهدم، والأسواق العتيقة تُنعش لا تُزال، وكأنهم أدركوا باكرًا أن الإنسان بلا ذاكرة، كجسد بلا روح.
المفارقة المؤلمة أننا نملك تاريخًا لا يقل ثراءً، بل ربما يفوق في بعض جوانبه، ومع ذلك نتعامل معه كأنه عبء يجب التخفّف منه. وهذا لا يعود إلى نقص في التراث، بل إلى خلل في وعينا به. ففي عصور الاضطراب، يفقد الإنسان ثقته بذاته، فيبحث عن بدائل خارجية تمنحه شعورًا زائفًا بالانتماء إلى "العصر".
لكن الحقيقة الأعمق أن التراث ليس نقيضًا للتجديد، بل شرطٌ له. هو الأرض التي نقف عليها لنرى أبعد، وهو الجذر الذي يمنح الشجرة قدرتها على النمو. الحضارات التي تنقطع عن جذورها، قد تلمع سريعًا، لكنها سرعان ما تتشقق من الداخل، لأنها تفتقر إلى التماسك النفسي والثقافي.
إن المشكلة ليست في أن نتغيّر، فالتغيير سنّة الحياة، بل في أن نتغيّر دون وعي، دون أن نحمل معنا ما يستحق أن يُحمل. فالتجديد الحقيقي لا يُلغي، بل يُعيد صياغة؛ لا يطمس، بل يُضيء.

وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: كيف نعيد غرس هذا المعنى في نفوس الأجيال؟ كيف نُعلّم أبناءنا أن الاعتزاز بالتراث لا يعني الجمود، وأن الانفتاح على العالم لا يعني الذوبان فيه؟ إن الدور لا يقع على المؤسسات وحدها، بل يبدأ من الأسرة، من اللغة التي نتحدث بها، من القصص التي نرويها، من التفاصيل الصغيرة التي تُشكّل وعي الطفل دون أن يشعر.
إنَّنا بحاجة إلى مصالحة داخلية، قبل أي مشروع خارجي. مصالحة مع تاريخنا، مع ذواتنا، مع تلك الذاكرة التي نحاول أحيانًا أن نهرب منها، بينما هي في الحقيقة ملاذنا الأعمق.

وعودًا على بدء، يبقى السؤال معلقًا في فضاء القلق: متى نتعلم أن نكوّن أنفسنا دون اعتذار؟ متى ندرك أن الطريق إلى المستقبل لا يمرّ عبر إنكار الماضي، بل عبر فهمه واحتضانه؟ وهل سنبلغ يومًا تلك اللحظة التي نرى فيها في تراثنا قوةً لا ضعفًا، وامتدادًا لا عبئًا؟
لعلّ الحكمة الشعبية القديمة تختصر كل هذا التوتر الوجودي حين تقول: "اللي مالُه أوّل ما لُه تالي". ليست مجرد عبارة عابرة، بل خلاصة تجربة إنسانية عميقة؛ فالبدايات ليست خلفنا. إنها في داخلنا، تسكننا، وتنتظر أن نصغي إليها، قبل أن نواصل المسير.


