سارا القرني
هناك لحظة فارقة في حياة الإنسان، لا تأتي مع العمر بقدر ما تأتي مع الوعي. لحظة يلتفت فيها إلى نفسه فجأة، ويكتشف أنه عاش سنوات طويلة يؤجل أحلامه، ويؤخر رغباته، ويضع احتياجات الآخرين قبل احتياجاته، حتى أصبح غريبًا عن الحياة التي كان يريدها لنفسه.
وحين يبدأ أخيرًا في ممارسة الأشياء التي كان يحبها، أو يتجه نحو التخصصات والهوايات والأهداف التي حرم نفسه منها لسنوات، يشعر وكأنه يعود إلى الحياة من جديد. وكأن جزءًا منه كان متوقفًا طوال تلك المدة، ينتظر الإذن ليعيش. كثيرون يسمون ذلك تضحية، ويعتبرون التخلي عن الأحلام من أجل الآخرين عملًا نبيلًا يستحق الإشادة. لكن الحقيقة ليست دائمًا بهذه البساطة. فهناك فرق كبير بين التضحية المؤقتة التي تفرضها الظروف، وبين التخلي المستمر عن الذات حتى تختفي تمامًا.
حين تقضي سنوات طويلة تؤجل نفسك من أجل أشخاص لا يقدمون لك التقدير ذاته، ولا يشعرون بحجم ما تنازلت عنه لأجلهم، فإن الأمر لا يعود تضحية بقدر ما يصبح ظلمًا للنفس. لأن الإنسان حين يهمل أحلامه باستمرار، فإنه يدفع ثمنًا لا يراه إلا بعد سنوات.
المشكلة أن بعض الناس يعتادون على عطائك إلى درجة أنهم يتعاملون معه وكأنه حق مكتسب. لا يرون ما خسرته، ولا ما أجلته، ولا ما تنازلت عنه. بل قد يصل الأمر إلى أن يعتقدوا أن وجودهم في حياتك نعمة كافية تبرر كل ما قدمته لهم. وهنا يقع الخطأ الأكبر. حين نرفع قيمة أشخاص أو علاقات أو ظروف إلى مستوى يفوق حجمها الحقيقي. فنمنحها من أعمارنا وطاقتنا وأحلامنا أكثر مما تستحق، ثم نكتشف لاحقًا أننا كنا نبالغ في تقدير أشياء لم تكن تملك تلك القيمة من الأساس.
ليس المطلوب من الإنسان أن يكون أنانيًا، ولا أن يعيش لنفسه فقط. لكن من الظلم أن يكون دائمًا آخر شخص يفكر فيه. فمن حقك أن تحقق أحلامك، وأن تطور ذاتك، وأن تسلك الطريق الذي تريده لحياتك دون شعور بالذنب.
فالحياة لا تنتظر أحدًا، والسنوات التي تمضي لا تعود. وكل حلم يتم تأجيله بلا سبب حقيقي يترك في النفس فراغًا يصعب تعويضه لاحقًا.
والحقيقة التي يدركها الكثيرون متأخرين، أن الأشخاص الذين يحبونك حقًا لن يطلبوا منك أن تلغي نفسك من أجلهم. ولن يشعروا بالراحة وهم يرون أحلامك تتراجع كل يوم بينما تتقدم أحلامهم هم.
في النهاية، ليس كل ما نطلق عليه تضحية يستحق هذا الاسم. فبعض التضحيات النبيلة ترفع الإنسان، وبعضها الآخر يسلبه عمره دون مقابل.
وحين تبدأ أخيرًا في اختيار نفسك، والسير نحو ما تحب، ستدرك أن الحياة لم تكن متوقفة من حولك... بل أنت من كنت تؤجلها بنفسك.
وعندها فقط، ستعرف أن الاهتمام بنفسك ليس أنانية، بل حق تأخر كثيرًا.

