تربط عائلة الحاج مزاحم بعائلة العم خضير علاقة جوار قديمة تمتد إلى أزقة محلات البصرة القديمة؛ كان أجداد العم خضير يسكنون في الدار الملاصقة لدار أجداد الحاج مزاحم، وحفرت المياه والطين والملح قصتهما قبل أن يحفرها التاريخ.
بعد نكسة حزيران (يونيو) عام 1967، هاجرت العائلتان إلى بغداد واستقرتا في حي الشعب؛ وفي سبعينيات القرن المنصرم، تمايز المساران: انخرط مزاحم في صفوف الحزب الشيوعي، بينما ذاب خضير في جماعات الدعوة الإسلامية السرية.
كان الحاج مزاحم أصغر من العم خضير بثلاث سنوات، لكن الزمن الجميل جعلهما معًا في مقاعد الدراسة الابتدائية؛ تعلق مزاحم بخضير تعلق النخلة بجذورها، فكان يرى فيه الأخ الأكبر الذي لم تنجبه أمه.
وفي إحدى ليالي عام 1978، وتحت جنح الظلام، ألقى العم خضير محاضرة في منزل الحاج سلمان عن العدالة الاجتماعية في الإسلام؛ وكان مزاحم من بين الحاضرين الذين لا يتجاوزون سبعة رجال، خائفين مرتعدين من عيون الأمن التي كانت ترصد كل تحرك؛ تلك الليلة سمع مزاحم خضير يقول: العدل ليس شعارًا نرفعه، بل سكينًا نشهره في وجه الظالم؛ والله لا يُغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم؛ فالعدل أن تعطي الفقير حقه قبل أن يسأل، والحرية أن تقول كلمة الحق ولو بوجه الحاكم؛ وأي مجتمع لا يقوم على العدل فهو أشبه بجثة تُلف بالحرير، تفوح منها رائحة الموت الكريهة وإن تزينت بالحرير.
بعد المحاضرة، طوق مزاحم خضيرًا واحتضنه بحرارة، وهمس في أذنه: "أنت أخي وأبي وأستاذي"؛ ابتسم خضير بوجهه الأسمر ومسح على رأس مزاحم كأنه طفل صغير.
ثم جاءت محنة عقد الثمانينيات الدموي الأسود؛ حيث اعتقلت السلطة الصدامية العم خضير بتهمة التدين والنشاط الديني، وسُجن في سجن الأمن العام أربع سنوات كاملة؛ كان مزاحم يزور أم خضير كل جمعة، ويبكي معها بكاء الأطفال؛ وقد كتب قصيدة طويلة عنوانها "روحي تريدك" حفظها أبناء الحي جيلًا بعد جيل.
خرج خضير من السجن منهك الجسد، محطم الأسنان، لكن عينيه بقيتا تضيئان كالقنديل؛ وزاره مزاحم في بيته الصغير، ونظر إليه طويلًا ثم انفجر باكيًا: "لولا الله ثم أنت لكنت فقدت عقلي"؛ ضحك خضير بمرارة: الظنون يا مزاحم أشد من اليقين. هوّن عليك؛ هل صرت مؤمنًا موحدًا بسبب اعتقالي يا مزاحم؟!
وفي عام 1991، حين انتفض العراقيون، كان خضير في الصفوف الأولى في ساحة أم الكروم، بينما كان مزاحم يوزع المنشورات في ساحة سعد؛ إذ ذهبا معًا إلى البصرة؛ سقط خضير شهيدًا برصاص عناصر الحرس الجمهوري والقصف المدفعي؛ ولم يعثر على جثمانه إلا بعد ثلاثة أيام تحت الأنقاض.
دفنه مزاحم بيديه، وكتب على قبره: هنا يرقد الإنسان الكامل.
وبعد سقوط النظام الإجرامي عام 2003، عاد مزاحم إلى البصرة، فوجد البيت القديم للعم خضير خاليًا؛ وقف أمام بابه الخشبي، وأخرج من جيبه قنينة عطر جلنار كان قد اشتراها من سوق الكويت؛ نثر العطر على عتبة الباب، وجلس يبكي حتى جفت دموعه.
بعد سنوات، حين زاره ابن أخيه من بغداد سالم، أخرجه مزاحم من البيت ومشى به إلى النجف الأشرف؛ إلى قبر العم خضير؛ جلسا ساعة صامتة، ثم قال مزاحم:
تعلم يا بني؛ الرجال لا يموتون عندما تغادر أرواحهم الأجساد، بل عندما ننساهم؛ الشهيد العم خضير لم يمت، لأنه زرع في قلبي شجرة لن تذبل.
ونظر إلى السماء، وأكمل: ذات مرة سألت خضيرًا: كيف تحب الله دون أن تراه؟ فضحك وقال لي: هل رأيت الريح؟!
قلت: لا.
فقال: فكيف تعرف أنها موجودة؟!
قلت: من حركة الأشجار.
قال: هكذا الله. انظر إلى قلبك كيف يتحرك حين تذكره، تلك هي الريح الإلهية.
سكت مزاحم، ثم تنهد وقال: خضير كان الريح التي حركت غصون روحي؛ ومنذ رحيله، لم تعد الأشجار تتحرك.
كانت قنينة عطر الجلنار لا تزال معه، بالرغم من مرور السنين؛ فتحها وشم رائحتها، ثم أعطاها لابن أخيه: خذها. هذه رائحة البصرة القديمة، رائحة خضير، رائحة زمن كنا فيه إخوة قبل أن تكون الأديان والمذاهب سكاكين في ظهورنا.
سأله ابن أخيه: هل تظن أنك ستلقاه في الجنة؟
ابتسم مزاحم ابتسامة حزينة وقال: الجنة؟ يا بني؛ الجنة أن تجلس مع من تحب ولو على قارعة طريق؛ خضير لم يذهب إلى الجنة، بل الجنة هي التي ذهبت معه.


