: آخر تحديث

التشافي النفسي من حوادث الطرق

3
2
2

حين تقع حادثة مرورية، تتجه الأنظار فوراً إلى حجم الأضرار المادية؛ تهشم الزجاج، التواء الحديد، والإصابات الجسدية الظاهرة التي تهرع سيارات الإسعاف للتعامل معها. لكن بمجرد أن تُرفع الأنقاض وتلتئم الجروح العضوية، ينسى الكثيرون أن هناك جروحاً أخرى لا تُرى بالعين المجردة، جروحاً تنزف في زوايا الذاكرة وتلقي بظلالها على حياة الناجين.

إذا ألقينا نظرة على المشهد العالمي، نجد أن تقارير منظمة الصحة العالمية الحديثة تشير إلى وفاة نحو 1.19 مليون شخص سنوياً نتيجة حوادث المرور، مع تعرض ما بين 20 إلى 50 مليون شخص لإصابات غير مميتة. وقد حققت المملكة إنجازاً تاريخياً في خفض وفيات حوادث الطرق بأكثر من 50 % خلال السنوات الأخيرة، لتتراجع النسبة من 28.8 حالة وفاة لكل 100 ألف نسمة، إلى نحو 13 حالة.

التعرض لحادث مروري هو بمثابة فقدان مفاجئ وعنيف للسيطرة، هذا الفقدان يترجمه العقل البشري إلى حالة من التهديد الوجودي، الكثير من الناجين يختبرون ما يُعرف باضطراب كرب ما بعد الصدمة (PTSD)، حيث يعيشون الحادث مراراً وتكراراً عبر "ومضات استرجاعية" (Flashbacks) وكوابيس ليلية، يترافق ذلك مع "فوبيا القيادة" (Amaxophobia)، والقلق الحاد من ركوب السيارات، ناهيك عن سرعة الاستثارة، واضطرابات النوم، والشعور المستمر بعدم الأمان، وكأن الخطر لا يزال كامناً في المقعد المجاور.

تفاعل العقل البشري مع الصدمات ليس نمطياً؛ بل يتأثر بالبيولوجيا والتنشئة الاجتماعية. في حوادث السيارات، تُظهر الدراسات اختلافات جوهرية في استجابة كل من الرجل والمرأة للصدمة؛ حيث تميل النساء إلى "استبطان" الصدمة، وهن أكثر قدرة على التعبير اللفظي عن الخوف، مما يجعلهن أكثر قابلية لطلب الدعم النفسي المبكر، ولكنهن قد يعانين لفترة أطول من ذكريات الحادث المؤلمة.

في المقابل، يميل الرجال إلى "التفريغ الخارجي" نتيجة التوقعات المجتمعية التي تفرض عليهم إظهار الصلابة، فالرجل قد ينكر تأثره النفسي، ويترجم قلقه الداخلي إلى سلوكيات غضب غير مبرر، أو الانخراط في سلوكيات قيادة متهورة كوسيلة لا شعورية لإثبات استعادته للسيطرة، وهو ما يعتبر آلية دفاعية محفوفة بالمخاطر.

إن تجاوز الصدمة المرورية يتطلب جهداً واعياً وتطبيقاً لمهارات التحكم بالذات، للعبور من خانة "الضحية" إلى خانة "الناجي"، وأولى خطوات العلاج هي التصالح مع الألم، والاعتراف بأن الشعور بالخوف والضعف بعد الحادث هو استجابة طبيعية جداً لحدث غير طبيعي. والتغلب على فوبيا القيادة لا يأتي بالاندفاع المتهور، بل بالجلوس في السيارة أولاً وهي متوقفة، ثم القيادة لمسافات قصيرة في شوارع هادئة برفقة شخص داعم، حتى يعيد العقل برمجة ارتباط السيارة بالأمان بدلاً من الخطر.

قد يحتاج الشخص للجوء إلى العلاج السلوكي المعرفي (CBT) أو تقنية إبطال التحسس وإعادة المعالجة بحركة العين (EMDR)، وكذلك ممارسة تمارين التنفس العميق واليقظة الذهنية تساعد في خفض هرمونات التوتر (الكورتيزول) وإعادة نظام الجهاز العصبي إلى حالته الطبيعية، مما يعزز من القدرة على التحكم في ردود الأفعال عند الجلوس خلف المقود مجدداً.

علينا أن ندرك أن التشافي النفسي لا يقل أهمية عن الجبر العظمي، إن توفير منصات الدعم النفسي المتخصصة لضحايا الحوادث هو خطوة حضارية تساهم في بناء مجتمع أكثر صحة وأماناً.. يقول الطبيب النفسي والخبير العالمي في مجال الصدمات "بيسل فان دير كولك": "إن الصدمة لا تكمن في الحدث نفسه، بل في الطريقة التي يستقر بها ذلك الحدث داخل جهازنا العصبي.. الجسد يحتفظ بالذكريات المؤلمة، لكن العقل البشري يمتلك مرونة هائلة لإعادة صياغة القصة واستعادة السيطرة من جديد".


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد