إيلاف من الرباط: نجحت الندوات واللقاءات المنظمة في إطار البرنامج الثقافي لفعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط في تقديم طبق متنوع، يعكس توج التظاهرة الثقافية التي أريد لها أن تعطي صورة إيجابية عن مغرب منفتح على باقي العالم،انسجاماً مع هويته الحضارية المبنية على الحوار والتعايش.

ويقترح البرنامج الثقافي، للدورة التي تختتم الأحد، ما يناهز200 فقرة ثقافية، بمشاركة نخبة من المثقفين والأدباء والفنانين والكتاب من المغرب والخارج، تحت عناوين متنوعة، بينها: "تكريمات"، و"نوافذ على الأدب المغربي"، و"صدر حديثا"، و"أصوات نسائية"، و"قصة اليوم"، و"لقاءات"، و"أمسيات شعرية"، و"المغرب المتعدد"، و"كيف نفكر في العالم"، و"بين عوالم الفنون"، و"الأدب كفضاء للتفكير"، "وصدى إفريقيا"، و"مسارات"، و"ترجمة العالم وكتابة الآخر"، و"تتويجات" و"فيالذاكرة".
وتزامن الدورة الحالية من معرض الرباط، الذي تنظمه وزارة الشباب والثقافة والتواصل على مساحة تناهز 17 ألف متر مربع، مع الفعاليات الثقافية الكبرى التي تنظمها الوزارة نفسها، في إطار اختيار منظمة اليونسكو لمدينة الرباط عاصمة عالمية للكتاب لسنة 2026.
واقعية إرنو
أكدت آني إرنو، الكاتبة الفرنسية الحائزة على جائزة نوبل للآداب سنة 2022، أن الأدب يشكل أداة قوية للتحرر والدفاع عن حقوق النساء وتعزيز قيم المساواة.
أوضحت إرنو، خلال نزولها ضيفة على معرض الرباط، أن الأدب يتجاوز كونه مجرد فعل كتابة، إذ يتيح لكل فرد التعبير عن ذاته، وتحرير إمكاناته، والانعتاق من القيود الداخلية أو الاجتماعية أو الفكرية. وأشارت، في هذا السياق، إلى أنها تعتمد في أعمالها على "كتابة واقعية" قائمة على أسلوب بسيط ومصقول لتسليط الضوء على تعقيد الحالة الإنسانية، وتطور العادات، وعلاقات القوة بين الطبقات. وأوضحت أن مؤلفاتها تروم استعادة واقع حياتها الشخصية، بهدف إيقاظ الوعي وفتح باب التأمل في مايمنح معنى للوجود الإنساني.
.jpeg)
وبعد أن استحضرت أبرز المحطات التي طبعت حياتها، والتي شكلت الشرارة التي دفعتها إلى كتابة العديد من أعمالها، عادت إرنو للحديث عن تجربتها الخاصة مع القراءة، مؤكدة أهمية تشجيع هذه الممارسة لدى الشباب.
شكسبير والمغرب
شكلت ندوة "شكسبير والمغرب.. المغرب في الأدب الإنجليزي"، مناسبة لتسليط الضوء على تمثلات المغرب في المتخيل الشكسبيري، واستعراض السياق التاريخي الذي طبع العلاقات الأنجلو - مغربية خلال مطلع القرن السابع عشر، وما أفرزته من تفاعلات دبلوماسية وثقافية انعكست في عدد من الأعمال الأدبية الإنجليزية.
وقال مصطفى فهمي، أستاذ الأدب الإنجليزي بجامعة كيبيك، إن هذه الصلة تتجسد أدبيا من خلال ثلاث شخصيات رئيسية في مسرحيات شكسبير، وهي آرون وأمير المغرب وعطيل، مبرزا أن هذا التمثيل يتدرج من صورة نمطية في البداية إلى ما اعتبره "تكريما مطلقا" في شخصية عطيل في المسرحية التراجيدية الشهيرة التي تحمل نفس الاسم.
واعتبر فهمي أن مسرحية "عطيل" مثلت تحولا في التناول المسرحي، من خلال تقديم بطل تراجيدي ذي أصول مغربية في إطار إنساني يعكس أبعادا ثقافية متعددة، لافتا إلى أن هذه الشخصية تعكس حضورا مميزا للثقافة المغربية في المتخيل الشكسبيري، بما يمنحها بعدا إنسانيا يتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية.
وأبرزت الباحثة الإيرلندية إيليش دويبني، أن مسرحية "عطيل" تعد أول عمل شكسبيري عرض في بلادها خلال ثلاثينيات القرن السابع عشر، ما يعكس، بحسبها، المكانة البارزة التي حظيت بها هذه الشخصية ذات الارتباطات الثقافية بالمغرب، وحضورها المبكر في المسارح العالمية ضمن التقاليد الدرامية الأوروبية.
تنوع شعري
ندوة شكلت التنوع اللغوي في الممارسة الشعرية بالمغرب مناسبة لمساءلة التنوع اللغوي في المجال الشعري المغربي، من بوابة اختلاف الرؤى الفنية والجمالية باختلاف الألسن والتعبيرات، وما تختزنه كل لغة من ذاكرة خاصة في علاقتها بالحداثة وبالمسارات التي شقها نهر الشعر المغربي عبر الأجيال منتقلا من حساسية شعرية إلى أخرى، في ضوء رهانات التحديث التي شهدها منذ فجر الاستقلال.
في مداخلته، التي تمحورت حول سؤال اللغة وشعرية التعدد، أكد محمد العناز، أستاذ النقد الأدبي والفني بكلية الآداب بتطوان، أن اللغة في الشعر المغربي ليست مجرد أداة للتعبير، بل حاملة للتاريخ ومخزون رمزي يؤسس لنظام خاص في الإحساس بالعالم، بما يختزنه من ثقل الوجود وأسئلته ونواقصه.
وأوضح العناز أن الموقع التاريخي والحضاري والجغرافي للمغرب لم يعرف هيمنة لغة واحدة تكرس انغلاق الذات، بل ظل فضاء منفتحا على تعدد لغوي وثقافي أفرز بحثا دائما عن متخيل شعري رحب، بعيدا عن المرجعيات الأحادية.
وأضاف العناز أن اللغة داخل هذا المتخيل تشكل جسدا حيا في امتداداته المتواصلة، وفضاء لعبور ألسنة متعددة ومتفاعلة، تمتد من العربية الفصحى والدارجة المغربية إلى الأمازيغية بتنوعاتها والحسانية، فضلا عن الفرنسية والإسبانية والإنجليزية وغيرها من اللغات المرتبطة بالتبادلات الرمزية والثقافية، وبمسارات الهجرة والتعليم والانفتاح على العالم.
وسجل مبارك أبعازي، أستاذ اللغة الأمازيغية بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، أن تلقي الأدب وإنتاجه في المغرب بات يستلزم مقاربة تستوعب الفسيفساء الأدبية التي تميزه، بما يفضي إلى تشكل مفهوم جديد للأدب المغربي، يقوم على الاعتراف بتعدد اللغات التي يكتب بها هذا الأدب.
وتناول احميدة بلبالي، الشاعر والمفتش التربوي، الزجل المغربي بوصفه تجربة جمالية متكاملة. ورأى أننا نكون، هنا، أمام لغة شعرية جديدة تفكر في العالم من داخل الهامش، وتعيد صياغة العلاقة بين اللغة والواقع، بحيث يصبح الزجل، في نهاية المطاف، طريقة أخرى لرؤية العالم.
بوح وسيرة ذاتية
خلال ندوة كشف فيها المشاركون بواعث رحلتهم المؤقتة إلى السرد من أجل كتابة سير ذاتية تبوح ببعض ما جرى من أحداث ومنعطفات صنعت في النهاية ذلك الإنسان والمبدع الذي يقيم في كل منهم، استعرض عبد السلام الموساوي، وصلاح الوديع ومحمد بودويك تجاربهم الأدبية التي قادتهم الى كتابة السيرة الذاتية، بوصفها جنسا تواصليا بامتياز يفتح مسالك أسهل وأكثر مباشرة للاطلاع على حيوات عادية شكلتها الأحلام والآلام.
وجاء اللقاء الذي أداره الناقد حسن المودن، المعروف باشتغاله على عوالم الكتابة السيرية، تفاعلا مع ظاهرة لافتة للجوء الشعراء في المغرب وخارجه لكتابة السيرة، حيث تم التركيز على نصوص "الأشجار المحظورة" لعبد السلام الموساوي و"ميموزا" لصلاح الوديع و"ليس عبورا بل حياة" لمحمد بودويك.
وفاء للقصة
"لن أكتب الرواية!"، أكد أنيس الرافعي، خلال مشاركته في فقرة اللقاء المفتوح، تحت عنوان "قصة اليوم"، مفضلا أن يكون "قرشا في بحره الحميم على أن يكون سمكة سردين في بحر لا يخبر أغواره".
وشدد الرافعي على أنه ظل من الأوفياء لفن القصة على مدى ثلاثة عقود دون أن يراود أي فن آخر، مشيرا إلى أن تاريخه مع الكتابة شريط منعطفات أسلوبية متعاقبة تحت خيمة القصة.
إفراط رقمي
أكدت نجاة فالو بلقاسم، خلال لقاء مع جمهور المعرض، أن الاستخدام المفرط للأدوات الرقمية أضحى يشكل رهانا صحيا بالنظر إلى تداعياته السلبية على الصحة العقلية والبدنية.
وشكل هذا اللقاء، الذي كان مناسبة لتقديم كتابها الأخير: "الفطام الرقمي.. تحقيق حول علاقتنا بالشاشات وكيفية التحرر منها"، فرصة للعودة إلى بدايات هذا المؤلَّف، الذي يعد ثمرة تحليل أجرته فالو بلقاسم حول الاستخدام المفرط للأدوات الرقمية.
وترى فالو بلقاسم، المزدادة سنة 1977 ببني شيكر، في شمال المغرب، والتي كانت أول امرأة تتقلد منصب وزيرة التربية الوطنية والتعليم العالي والبحث في فرنسا، أن الهيمنة المتزايدة للشاشات في الحياة اليومية تعد ظاهرة لا تقتصر على الشباب فحسب، بل تمس أيضا البالغين وكبار السن. وسجلت أن غالبية المستخدمين يقضون ساعات طويلة في تصفح محتويات لا يتذكرون منها شيئا تقريبا، معتبرة أن هذا الوضع يشبه "شكلا من أشكال الإدمان" الذي يتعارض مع الإرادة الحرة للمستخدمين.
وأشارت فالو بلقاسم، في هذا الصدد، إلى أن متوسط الوقت الذي يتم قضاؤه أمام الشاشات قد يصل، على مدى حياة الفرد، إلى حوالي 27 سنة، متسائلة عن "مدى التطبيع مع هذه الظاهرة التي تستحوذ على انتباهنا ووقتنا وتفرض نفسها كمعيار مجتمعي".
وعند تطرقها لآليات هذه الظاهرة، شددت فالو بلقاسم على مسؤولية الشركات الرقمية الكبرى، التي تعتمد أرباحها على الاستحواذ الأقصى على انتباه المستخدمين ووقتهم. وأوضحت أن هذه الشركات تجني أرباحا من خلال جمع بيانات المستخدمين بهدف تصميم إعلانات موجهة ومستهدفة.
وحذرت فالو بلقاسم من تداعيات هذه الممارسات على الصحة العقلية، لا سيما لدى الشباب، مشيرة إلى التزايد المقلق للاضطرابات المعرفية، والشعور بالضيق، وكذا اضطرابات صورة الذات.
ودعت قالو بلقاسم، في هذا الصدد، إلى تعزيز التقنين في هذا القطاع، مؤكدة أن الأمر لا يتعلق برفض التكنولوجيا الرقمية، بل باستعادة السيطرة، وتأطير سير العمل، مما يكفل حماية المستخدمين.
الشرايبي
شكل اللقاء الذي نظم بمبادرة من مجلس الجالية المغربية بالخارج، بمشاركة فؤاد العروي، وكبير مصطفى عمي وليلى بحسين، فرصة لتبادل الرؤى حول المسار الاستثنائي والأثر الزاخر للراحل ادريس الشرايبي (1926 - 2007).
وأتاح هذا التكريم، الذي يندرج في إطار تخليد الذكرى المئوية لميلاد الشرايبي، استكشاف الجوانب المتعددة لهذا الروائي الكبير، الذي لا تزال أعماله تلامس بعمق الرهانات المعاصرة، مما يكرس مكانته كمرجع لا محيد عنه في التراث الأدبي الوطني.
وأكد العروي على البعد التأسيسي لأعمال الشرايبي، مذكرا بأن إصدار روايته "الماضي البسيط" سنة 1954 شكل "انطلاقة قوية" للأدب المغربي المكتوب باللغة الفرنسية.
وتطرقت بحسين إلى بعد نقل المعرفة، مستحضرة تأثير قراءتها لرواية "الحضارة أمي!..."، باعتبارها تجربة تكوينية وحاسمة في مسارها، ومبرزة القوة التحررية لهذا المؤلف الذي يجسد كيف يمكن لكتابات الشرايبي أن تشكل رافعة حقيقية لـ "إثبات الذات".
واعتبر كبير مصطفى عمي، أن الشرايبي كان يتمتع بتحكم مذهل في ناصية اللغة، إلى جانب سلاسة كبيرة في الانتقال بين السجلات اللغوية، مشيرا إلى أن الراحل كان يرى في الكتابة وسيلة لفهم الآخر والعالم. وأضاف، قائلا: "لقد احتفظت في ذاكرتي بصورة رجل مفعم بروح الدعابة والطيبة، منفتح للغاية، يحمل نظرة حنونة تجاه العالم، وشغوف بوطنه".
كتابة الآخر
شكلت اللغة الفرنسية كفضاء لكتابة الآخر محور لقاء خصص لتبادل الرؤى حول مسألة الكتابة وعلاقتها بالآخر، بحضور ثلة من المهتمين بالأدب الفرنكوفوني.
وشهد هذا اللقاء، الذي نظم بمبادرة من المنظمة الدولية للفرنكوفونية، مشاركة خالد اليملاحي، الحائز على التنويه الخاص لـ "جائزة القارات الخمس" لسنة 2024، والفائز بنسخة 2026 من الجائزة ذاتها، ألكسندر لينو، اللذين تتناول أعمالهما قضايا إنسانية معاصرة من خلال سرديات يطبعها الغياب والغضب والذاكرة.
وأثار النقاش إشكالية الكتابة انطلاقا من تجارب موسومة بالصمت أو النسيان، والطريقة التي يمكن للأدب من خلالها جعل اللامرئي مرئيا.
وعاد اليملاحي إلى سياق نشأة روايته "استحضار نصب تذكاري في البندقية"، موضحا أنها ولدت من رحم شعور بالغضب والعجز إزاء غرق لاجئ غامبي شاب في القناة الكبرى بالبندقية سنة 2017، وهي مأساة حظيت بتغطية إعلامية واسعة قبل أن يطويها النسيان سريعا.
واعتبر اليملاحي أن الكتابة المجزأة لهذه الرواية لا تهدف إلى الشرح بقدر ما تروم فتح فضاءات للتفكير، من خلال إشراك القارئ بشكل مباشر؛ وقال إن "الأمر يتعلق بفتح الأبواب ووضع القراء أمام مسؤوليتهم"، مضيفا أن ذلك يمر عبر الاشتغال على اللغة والشكل.
كما سلط اليملاحي الضوء على علاقته النقدية باللغة، معتبرا أن بعض المصطلحات الشائعة، مثل "مهاجر" بدلا من "لاجئ"، تميل إلى تحييد العواطف المرتبطة بهذه القصص.
وسجل لينو أن كتابة روايته "هذه الأغنية القديمة التي تحترق" كانت بدورها مشبعة بالغضب، المستمد من وقائع حقيقية مطبوعة بالعنف المؤسساتي.
وأكد لينو على الدور الحاسم للغة في فهم الواقع، مشيرا إلى أن الكلمات قد تعمل أحيانا على تخفيف أو تشويه حقيقة الأحداث، حيث اعتبر أن دور الأدب لا يكمن في إصلاح العالم، بل في الاشتغال على الحكايات والكلمات على نطاق حميمي.


