: آخر تحديث

بعد القاع الانطلاق

4
4
3

هيفاء صفوق

- الحياة بحر واسع تختلط فيه البدايات والنهايات، ما إن ندرك بداية شيء ما حتى ينتهي، وما إن نصل لنهاية حتى يبدأ شيء جديد آخر، فلا يوجد شيء مطلق أو نهائي، بل هي أحوال وظروف متغيرة تختلف في فتراتها الزمنية وصورها وأشكالها، فما يحزننا اليوم يفرحنا غدا، وما كان يضحكنا اليوم فربما غدا يبكينا.

- بين هذه البدايات والنهايات يخوض الفرد قصته المفرحة والمحزنة، وقد تصل به إلى القاع فيدرك أنه هالك لا محالة فينتابه شعور لحظة الوداع، وكأنها فعلا النهايات، قد يحدث ذلك الاهتزاز القوي له، يشعر معه بالضياع وعدم الأمان والخوف بمسببات الحياة الكثيرة كالظروف والتحديات، هذا حينما نمنطقها، وأحيانا تأتي هذه المشاعر اللحظة الأخيرة التي تسحب الفرد للقاع دون سبب واضح أو مقنع له، فيحتار في أمره ويسأل ماذا حدث؟ أو ماذا فعلت؟ أو لماذا أنا؟ وكل تلك الأسئلة تدور بين المنطق وغير المنطق، وبين السبب والمسبب، وبين الفعل والنتيجة.

- في خضم هذه اللحظات المهيبة يكتشف الفرد شيئا فشيئا التخلص من كل شيء يطلق بعضهم على هذه اللحظات موت الأيجو أي تخلص من كل التعلقات والصور والأشكال الظاهرة، وكأنه ينسلخ من هويته المزيفة، وكأنه انقشعت الغمام من أمام عينيه ليخوض بعدها أعمق تجربة وهي تجرد نفسه أمام نفسه، وكأن أول مرة يشاهد نفسه خلف تلك الصور والأشكال، هذه لحظة وعي تقتلع الفرد من القاع إلى انطلاقة قوية في حياته الروحية والنفسية والمادية، هذه اللحظات الحاسمة تدل على معنى عميق لقدراته، وأنه موجود في الحياة لهدف ورسالة، ولم تكن الحياة يوما ما قائمة على الفوضى أوالصدف بل كل شيء فيها دقيق ومرتب.

- حالة الوعي هذه تصبح رحلته الجديدة، يصبح لديه نظرة شمولية لكل شيء سيتخلص من المفهوم الخاطئ للبدايات والنهايات، وسيدرك حقيقة ما إن يبدأ شيئا سينتهي وما إن ينتهي سيبدأ شيء آخر، هذا المعنى سيجعله يتخلى عن مخاوفه وتعلقاته، وسيدرك كل شيء له أهمية وهدف ورسالة في حالة الربح والخسارة، نعم حتى مفهوم الخسارة سيعلم أن لها رسالة وغاية، وهنا تنتهي رحلة المعاناة والمشاعر السلبية، وسيدرك أن لحظة القاع لم تكن سيئة بل جعلت منه أن ينظر إلى حقيقة الأمور، وكيف تسير الحياة حرة طليقة لا حد يحدها بحدود، وهذا ما سوف يعطيه فيما بعد القوة التي تنظر إلى الظروف والتحديات على أنها فرصة للتغيير والتعلم.

- من خاض تجربة القاع وبعضهم يطلق عليها مرحلة الصفر سيدرك معنى التسليم، والتسليم هو ابتعاد الفرد عن التحليل والتفسير الظاهر لأنه يدرك في العمق أن هناك شيئا آخر، وأن كل أمر الله خير، وإن كان ظاهره عكس ذلك، فلم تعد الصور والأشكال والأحداث تخيفه ولم يعد يتعلق بها.

- هناك أحياء ميتون، وأحياء تدب فيهم روح الحياة فهم متوكلون شاكرون آمنون، هؤلاء انتهت لعبة البدايات والنهايات في حياتهم وانتهت مرحلة القاع فنظرتهم تغيرت، وأصبحت تنظر بشكل أعمق لكل الأسباب والمسببات على أنها رحلة في الطريق تعلم وتضيء القلب والروح.

إضاءة..

التسليم رحلة فيها الكثير من الرضا والحب والطمأنينة والأمان.

الوداع رحلة فيها الكثير من الألم والحيرة والخذلان.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد