نجيب يماني
ونحن على أبواب شهر الخير والبركة والأعمال الصالحة، شهر رمضان المبارك الذي أُنزل فيه القرآن، ولما فيه من فضل من صلاة وقرآن وحسنات وصدقات وقيام..
يقول نبي الرحمة: «اتقوا شهر رمضان فإنه شهر الله واحذروا أن تفرطوا فيه فقد جعل الله لكم أحد عشر شهراً تنعمون فيها، وجعل لنفسه شهر رمضان فاحذروا شهر رمضان»، شهر تلتقي الأرض بالسماء فيشرق نور يملأ الأرض بنور القرآن فهو شهره الذي أنزل فيه.
تستعد المساجد في هذا الشهر الكريم وتتزين لإقامة الصلوات المفروضة وأداء سنة التراويح والقيام ويتسابق الناس جميعهم إلى أدائهما.
فما الأصل في صلاة التراويح؟
التراويح اصطلاحاً صلوات غير مفروضة، يُؤتى بها في ليالي شهر رمضان المبارك بعدد معين. ولغةً جمع ترويحة تفعيلة من الراحة لاستراحة القوم بعد كل أربع ركعات. ورد في (الموطأ) خرجت مع عمر في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرّقون يصلي الرجل لنفسه ويصلّي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، فجمعهم على أُبي بن كعب. ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلّون بصلاة قارئهم فقال عمر نعمت البدعة هذه، ولو كان عليه الصلاة السلام صلّى هذه الصلاة لكانت سُنّة ثابتة، ولكن لم يصلها؛ ولذلك قال عمر إنها بدعة ونعمت البدعة ولولا ذلك لقال إنها سُنّة ونعمت السُنّة هي. يقول ابن قدامة وإنما دعاها بدعة لأن الرسول لم يسنّها.
أجمع الناس على أداء صلاة التراويح وتسابقوا إلى المساجد رجالاً ونساءً كباراً وصغاراً حتى أصبحت من طقوس رمضان المحببة إلى النفس يحرص المسلم عليها.
لذا فمن الواجب أن يترفق أئمة المساجد في أدائها وعدم إطالة وقتها حتى لا يضيق بها الصغار ويراها الكبار عبئاً تعطلهم عن أداء أعمالهم ومزاولة تجارتهم، فيمُلوا منها ويجدوا لأنفسهم العذر ليهربوا من أدائها بحجة أن الامام يطول في صلاته.
فالزمن تغير، وهيئته تبدلت، وأصبح الكل في شغل شاغل فما كان قديماً مقبولاً أصبح اليوم مملولاً.
هذه فرصة رمضانية روحانية نعوّد الشباب فيها على ارتياد المساجد؛ لينصتوا إلى قراءة القرآن وأداء الصلوات ونجعل أفئدتهم معلقة بالمساجد، مع ضرورة إجادة قراءة القرآن وتجويده بنطق سليم وبصوت جميل يجبر المصلين على الاستماع بخشوع وتعلم نطق الآيات.
يروي أنسُ بنُ مالِك أن أبا مُوسى كان يَقْرَأ القُرآنَ وصَوْتُهُ مَسْموعٌ، في مسجِدِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ونِساءُ النَّبي يَسْتَمِعْن لقِراءَتِه وصَوْتِه وهو لا يَعْرِف فأخْبَرَه أحَدُهُم بعدَ قِراءَتِه بأنَّ زَوْجاتِ النَّبي كُنَّ يَسْتَمِعْنَ له، فقال أبو موسى لو عَلِمْتُ لحَبَّرْتُه تَحْبيرًا؛ أي زِدْتُ فِي تَحْسِينِه بِصَوْتِي تَزيينًا ولشَوَّقْتُ تَشْويقًا، أي جَعَلْتُ مَن يَسْمَعُ يَشْتاقُ إلى سَماعِ المَزيدِ لِحُسنِ الصَّوتِ. وحُسنُ الصَّوتِ يكونُ بحُسْنِ الأداءِ، بِحيث يُبَيِّنُ الحُروفَ ويُخْرِجُها من مَخارِجِها، حتَّى يبدُوَ القرآن ُواضحًا بَيِّنًا، ويكونُ بحُسنِ النَّغَمَةِ بِما يُحقِّقُ مَقصودَهُ مِنَ الخَشْيةِ والخُشوعِ والتَّفهُّمِ.
وهذا يدل على أنَّ تَحسينَ الصَّوتِ بالقُرآنِ وتَطريبَه أمرٌ مطلوبٌ للخشوع دون تغييرٍ في لفْظِه وحُروفِه وأحكامِه.
بعض الناس يتركون مساجد الحي الذي يسكنونه ويذهبون إلى مساجد بعيدة، وحجتهم أن إمام مسجدهم يطول في صلاته وصوته غير جميل وقراءته غير واضحة.
فعلى كل إمام مسجد أن يراعى ظروف الناس وأحوالهم ويزاوج بين الواجب والواقع، فالإسلام دين تيسير وتسهيل ومراعاة لكل الناس.
الإطالة منهي عنها في الصلاة، وقد أمر رسول الرحمة الأئمة أن يرفقوا بالناس فقال أيكم أم الناس فليخفف، فإن فيهم الصغير والكبير والضعيف وذا الحاجة، فالواجب على الإمام أن لا يشق على الناس في صلواتهم.
كان عليه الصلاة والسلام يصلي صلاة وسطاً ليس فيها إطالة تشق على الناس.
فالواجب على الأئمة أن يقتدوا به حتى لا يفتنوا الناس، ولا يشجعوهم على ترك الصلاة مع الجماعة، فإذا صلى صلاة وسطاً ليس فيها مشقة، اجتمع الناس وصلوا جماعة وتواصوا بأدائها في المساجد؛ ولهذا قال أفتان أنت يا معاذ عند قراءته لسورة البقرة في صلاته.
هناك بعض الائمه من يبالغ في وضع بخور العود في المسجد دون مراعاة لمن به أذى من صدره أو حساسية في أنفه، وبعض المصلين يغمروك بدهن العود بعد كل تسليمة فتخرج وقد تصدعت أركانك وثقل رأسك وانفجر أنفك من قوة العطاس. وبعضهم نسي حديث رسول الله من «أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا فَلْيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا- وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ».
وبعضهم يأتي بثوب نومه مدهوكاً بعرقه ورائحة طعامه وبيته.
نكتب على بطاقة أفراحنا جنة الأطفال بيوتهم ونأتي بأطفالنا ليلعبوا في المسجد ويجروا في أركانه. والأدهى والأمر من يأتيك بشورت فوق ركبته يجره للأسفل في كل ركعة وسجدة لا يستر وإنما يجسم كتلة اللحم والعظم.
هذا بيت الله ونحن ضيوفه، فلنراعِ الأدب ونحترم المكان والزمان. تقبل الله منا الصيام والقيام والطاعات.