إيلاف من لندن: قبل أن يصل إلى دور العرض، تحول فيلم «Musk» الوثائقي إلى مواجهة مفتوحة مع إيلون ماسك. أربع ساعات تقريباً يضع خلالها المخرج الأميركي أليكس غيبني الملياردير الأكثر نفوذاً في عالم التكنولوجيا تحت المجهر، متنقلاً بين تسلا وسبايس إكس و«إكس» وستارلينك والذكاء الاصطناعي والسياسة، وصولاً إلى أكثر تفاصيل حياته العائلية والشخصية حساسية.
وبحسب تقرير موسع نشرته «واشنطن بوست» بعد مشاهدة الفيلم في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي، تبلغ مدة العمل 3 ساعات و45 دقيقة تتخللها استراحة لعشر دقائق. ولا يقدم غيبني سيرة تقليدية لرجل أعمال استثنائي، بل تحقيقاً طويلاً في الطريقة التي راكم بها ماسك ثروة ونفوذاً وسلطة يصعب فصلها اليوم عن قطاعات حيوية في الاقتصاد والتكنولوجيا وحتى عمل الحكومة الأميركية.
أما «The Verge»، التي شاهدت الفيلم أيضاً في تورونتو، فتلتقط جوهر المشروع في سؤالين يقول التقرير إن غيبني يضعهما منذ البداية: كيف أصبح ماسك بهذه القوة؟ ولماذا سمح المجتمع والمؤسسات بأن تتراكم لديه كل هذه القوة؟ ويصبح هذان السؤالان الخيط الذي يربط أجزاء الفيلم، من صعوده الأول في وادي السيليكون إلى دخوله قلب القرار السياسي الأميركي.
صناعة الأسطورة
ينطلق الفيلم زمنياً من بدايات ماسك في عالم الإنترنت، لكنه سرعان ما ينتقل من سرد نجاحاته إلى تفكيك الصورة التي بُنيت حوله.
وتقول «The Verge» إن الجزء الأول من الوثائقي يهتم تحديداً بكيفية تشكل «أسطورة ماسك»، أي صورة رجل الأعمال العبقري الذي يشبه أبطال الخيال العلمي، قبل أن يبدأ الفيلم تدريجياً في التشكيك بهذه الرواية.
ويستعيد العمل مراحل مبكرة من مسيرته في شركات الإنترنت، ثم دخوله إلى تسلا، قبل الانتقال إلى الطريقة التي أصبحت بها إنجازات شركاته مرتبطة باسمه الشخصي إلى درجة جعلت صورته العامة تتجاوز صورة مدير شركة إلى صورة «المخترع» الذي يقف بنفسه خلف التكنولوجيا.
وتشير مراجعة «The Verge» إلى أن الفيلم يستخدم هذه البدايات كي يضع أساساً لموضوعه الأوسع: أن قوة ماسك لم تُبن فقط بالأموال والشركات، بل أيضاً عبر صناعة صورة عامة شديدة القوة حول الرجل نفسه.
إمبراطورية متشابكة
من Zip2 إلى تسلا وسبايس إكس وستارلينك و«إكس» وxAI، يجمع غيبني خيوطاً يعرف الجمهور أجزاء كثيرة منها، لكنه يضعها للمرة الأولى تقريباً داخل قصة واحدة طويلة.
«واشنطن بوست» تلاحظ أن الفيلم لا يفجر كشفاً واحداً هائلاً، بل تكمن قوته في جمع الأجزاء المتناثرة من إمبراطورية ماسك: السيارات، والفضاء، والأقمار الاصطناعية، والذكاء الاصطناعي، وتويتر، والسياسة، وDOGE، وصولاً إلى أفكاره بشأن الإنجاب ومستقبل البشرية.
وتذهب «The Verge» خطوة أبعد في قراءة هذه البنية. فبحسب مراجعتها، يريد الفيلم إظهار كيف أدى تراكم النفوذ عبر تسلا و«إكس» وسبايس إكس وستارلينك إلى جعل ماسك متداخلاً بصورة متزايدة مع الحكومات، وخصوصاً الحكومة الأميركية، إلى درجة أصبحت معها إزالة هذا النفوذ أو الفصل بين مصالحه الخاصة والبنية العامة أمراً بالغ الصعوبة.
ماسك الرقمي
رفض ماسك المشاركة في الفيلم، فوجد غيبني حلاً بصرياً غريباً يتناسب مع موضوعه.
يبدأ الوثائقي من افتتان ماسك بنظرية «المحاكاة»، وهي الفكرة التي تفترض أن الواقع نفسه قد يكون محاكاة حاسوبية متقدمة. ثم يصنع غيبني نسخة رقمية متحركة من ماسك، تتحرك شفتاها على تسجيلات حقيقية لتصريحات سبق أن أدلى بها.
ويستخدم الفيلم أيضاً لغة ألعاب الفيديو باستمرار. فحين يصل إلى مرحلة DOGE وعمليات خفض الإنفاق والوظائف الحكومية، تتحول الأحداث إلى لعبة تصويب افتراضية يظهر فيها ماسك بمنشار كهربائي متحرك.
وترى «The Verge» أن هذه المبالغات البصرية ليست مجرد زينة، بل طريقة لترجمة عالم ماسك نفسه: الخيال العلمي، والمحاكاة، وألعاب الفيديو، وفكرة أن العالم قابل لإعادة البرمجة على طريقة نظام حاسوبي.
الحياة الخاصة
لكن أكثر لحظات الفيلم ثقلاً لا تأتي من الصواريخ أو السياسة، بل من النساء اللواتي كن جزءاً من حياة ماسك.
تظهر زوجته الأولى جاستين ماسك، التي أنجبت منه ستة أطفال، وتتحدث عن زواجهما وعن صراعات السيطرة داخل العلاقة. كما يتطرق الفيلم إلى وفاة طفلهما الأول نيفادا بمتلازمة موت الرضع المفاجئ، ويعرض اختلافاً بين رواية سبق أن نشرها ماسك عن لحظات وفاة الطفل وبين رواية جاستين.
وتحتل آشلي سانت كلير، التي أنجبت طفلاً من ماسك، موقعاً مهماً في الفيلم.
فبحسب روايتها، سعى ماسك إلى إبقاء الأبوة والعلاقة بعيدتين عن المجال العام، وعرض عليها ترتيبات مالية كبيرة في مقابل اتفاق عدم إفشاء يتعلق بأبوة طفلها.
وتتحدث سانت كلير أيضاً عن الطريقة التي بدأ بها التواصل معها عبر تويتر، وعن نساء أخريات قالت إنها علمت بأن ماسك تواصل معهن في سياق اهتمامه الشديد بزيادة الإنجاب.
وتلخص «The Verge» وقع شهادتها على الفيلم بالإشارة إلى أنها تصف ماسك، بخوف ظاهر، بأنه أشبه بـ«قنبلة نووية».
ويتناول العمل كذلك علاقة ماسك بالموسيقية غرايمز، التي أنجبت منه ثلاثة أطفال، ومعركة الحضانة التي نشبت لاحقاً، إضافة إلى إنجابه توأماً من شيفون زيليس عبر التلقيح الاصطناعي.
وبحسب الفيلم، هناك 14 طفلاً معروفاً لماسك، فيما يطرح العمل احتمال وجود آخرين لم تُعلن أسماؤهم أو تفاصيلهم.
وعود تسلا
يخصص غيبني مساحة واسعة للطريقة التي يقدم بها ماسك شركاته ومنتجاته إلى الجمهور، ثم يقارنها بما حدث فعلياً.
أحد الأمثلة يتعلق بفكرة محطات تبديل بطاريات تسلا بسرعة، وهي تقنية عُرضت في مرحلة سابقة بوصفها حلاً لمشكلة زمن شحن السيارات الكهربائية، قبل أن ينتهي المشروع عملياً إلى محطة تجريبية محدودة في هاريس رانش في كاليفورنيا.
لكن الجزء الأكثر حساسية يتعلق بالقيادة الذاتية.
يعرض الفيلم سلسلة من تصريحات ماسك بشأن قدرة سيارات تسلا على قيادة نفسها، إلى جانب الفيديو الترويجي الشهير الذي قدمته الشركة لإظهار إمكانات النظام، ثم يستعين بشهادة مهندس سابق في تسلا للحديث عن الظروف التقنية التي رافقت إنتاج الفيديو.
ويقابل غيبني هذه الوعود بصور لحوادث قاتلة مرتبطة بأنظمة القيادة الآلية أو المساعدة على القيادة.
وتورد «واشنطن بوست» أن الفيلم يتحدث عن أكثر من 60 وفاة يقول إنها ارتبطت بأعطال في نظام القيادة الآلية، وهي أرقام يعرضها الوثائقي في إطار حجته وتبقى مرتبطة بتفاصيل ومسؤوليات كل حادث على حدة.
وتشير «The Verge» إلى أن هذه المقارنة بين تصريحات ماسك وصور الحوادث تأتي ضمن استراتيجية الفيلم الأوسع: عرض الصورة أو الوعد أولاً، ثم وضع الواقع بجانبه وترك التناقض يتحدث بنفسه.
الانعطافة السياسية
ثم ينتقل الفيلم إلى التحول السياسي الذي نقل ماسك من رجل أعمال كان يصف نفسه سابقاً بأنه ليبرالي اجتماعياً ووسطي اقتصادياً، إلى أحد أبرز داعمي دونالد ترامب.
ويقدم الوثائقي جائحة كوفيد باعتبارها نقطة تحول أساسية.
يظهر عالم الأعصاب وصانع البودكاست سام هاريس ليقول إن شيئاً تغير لدى ماسك خلال تلك المرحلة، حين أصبح أحد أكثر المنتقدين لعمليات الإغلاق والقيود الصحية ودخل في مواجهة مباشرة مع سلطات كاليفورنيا بشأن تشغيل مصنع تسلا.
ويربط الفيلم بعد ذلك بين الضغوط والتحقيقات التنظيمية التي واجهت شركات ماسك وتحوله نحو ترامب.
ويطرح الوثائقي فرضية مفادها أن صدام ماسك المتزايد مع الأجهزة التنظيمية الحكومية ساهم في دفعه نحو دعم ترامب، وهي فرضية يقدمها الفيلم ومتحدثوه وليست حقيقة مستقلة محسومة.
الذكاء الاصطناعي
يتوقف غيبني أيضاً أمام تحول موقف ماسك من الذكاء الاصطناعي.
فالرجل الذي أمضى سنوات محذراً من إمكان أن يصبح الذكاء الاصطناعي المتقدم تهديداً وجودياً للبشرية، أصبح لاحقاً مؤسس شركة xAI وصاحب نموذج Grok، ودخل بصورة مباشرة في سباق بناء أنظمة الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدماً.
ويعرض الفيلم هذا الانتقال ضمن سلسلة من التحولات التي يقول إنها تظهر استعداد ماسك لإعادة صياغة مواقفه كلما تغير موقعه التجاري أو السياسي.
ويمتد خط الفيلم إلى استخدامات Grok داخل المؤسسات الأميركية، لينتقل النقاش مرة أخرى من التكنولوجيا بوصفها منتجاً تجارياً إلى التكنولوجيا باعتبارها مصدراً للنفوذ السياسي والمؤسساتي.
تهديد قانوني
لم ينتظر ماسك وصول الفيلم إلى الجمهور كي يرد عليه.
فقد هاجم غيبني علناً، واتهمه بجمع مجموعة من الأشخاص الذين لديهم مواقف عدائية مسبقة تجاهه، وشكك في نزاهة المخرج.
كما أرسل محاميه أليكس سبيرو رسالة إلى شركة Jigsaw Productions المنتجة للفيلم مهدداً بإقامة دعوى تشهير.
وبحسب «واشنطن بوست»، يتمحور جزء من الخلاف حول رسائل متبادلة بين ماسك وآشلي سانت كلير يعرضها الفيلم في سياق انتخابات الرئاسة الأميركية لعام 2024.
لمن الفيلم؟
هنا تضيف مراجعة «The Verge» النقطة الأكثر إثارة للاهتمام خارج تفاصيل حياة ماسك نفسها.
فالمجلة ترى أن «Musk» ناجح في مهمته الأساسية: إنه يجمع في مكان واحد قصة صعود ماسك وتراكم قوته والنظام الذي سمح له بالوصول إلى هذا المستوى من النفوذ.
لكن المشكلة، في رأي المراجع، أن معظم الأشخاص الذين تابعوا ماسك عن كثب خلال السنوات الماضية قد لا يكتشفون في الفيلم حقائق جديدة كثيرة.
وهنا تظهر مفارقة الفيلم: الجمهور الأكثر استعداداً للجلوس قرابة أربع ساعات أمام شاشة السينما قد يكون أصلاً مقتنعاً بالكثير من حجج غيبني، فيما الأشخاص الذين ما زالوا يرون ماسك أساساً من خلال نجاحاته في تسلا والصواريخ والتكنولوجيا ربما يكونون الجمهور الذي يريد الفيلم الوصول إليه فعلاً.
لكن أربع ساعات تقريباً قد تصبح الحاجز الذي يمنع هذا الجمهور تحديداً من مشاهدته. ولذلك اختارت «The Verge» لمراجعتها عنواناً يحمل هذا المعنى: الفيلم قد يكون في النهاية «يخاطب المؤمنين أصلاً».
سؤال القوة
ولهذا لا يبدو «Musk»، في جوهره، فيلماً عن شخصية إيلون ماسك وحدها.
إنه فيلم عن الطريقة التي يمكن لرجل واحد من خلالها أن ينتقل من تأسيس شركات التكنولوجيا إلى امتلاك منظومات للسيارات والصواريخ والاتصالات الفضائية ومنصة اجتماعية وشركة ذكاء اصطناعي، ثم يجد نفسه داخل دوائر السلطة السياسية.
غيبني لا يخفي موقفه النقدي من ماسك، والفيلم، وفق المراجعات المنشورة حتى الآن، شديد الوضوح في زاويته ولا يدعي الحياد تجاه الشخصية التي يتناولها.
لكن السؤال الذي يجمع «واشنطن بوست» و«The Verge» على أنه قلب العمل ليس ما إذا كان ماسك عبقرياً أو محتالاً، ولا حتى ما إذا كانت هذه الشركة أو تلك نجحت أو أخفقت.
السؤال هو: كيف انتهى كل هذا القدر من القوة في يد رجل واحد؟
والسؤال الثاني، الذي قد يكون أكثر إزعاجاً، هو الذي يطرحه غيبني على الجميع لا على ماسك وحده: كيف سمحنا بحدوث ذلك؟
يصل «Musk» إلى دور العرض الأميركية في 16 أكتوبر، بعدما بدأت معركته السياسية والقانونية والإعلامية قبل أن يبدأ الجمهور بشراء التذاكر.


