: آخر تحديث

«أبواب زندورد».. عبد الرحمن الماجدي يستدعي ذاكرة بغداد شعراً

2
2
1

إيلاف من لاهاي: صدر حديثاً عن دار مخطوطات في لاهاي كتاب الشاعر العراقي عبد الرحمن الماجدي «أبواب زندورد»، في تجربة شعرية جديدة يبني فيها عالمه عبر خمسة أبواب تتقاطع عندها الذاكرة والمكان والتجربة الإنسانية، فيما تحضر بغداد بتاريخها وتحولاتها بوصفها أحد المفاتيح الكبرى للكتاب.

يواصل الماجدي في إصداره الجديد اشتغاله على بناء هوية مستقلة لكل مجموعة شعرية، تبدأ من العنوان وتمتد إلى هندسة النصوص وتوزيعها الداخلي، بحيث لا تأتي القصائد بوصفها نصوصاً متجاورة فحسب، بل أجزاء من بناء شعري واحد له مناخه وإيقاعه ومساره.

هندسة الأبواب

يتألف الكتاب من مستهل شعري وخمسة أبواب: «باب الصمت»، و«باب العناق»، و«باب الندم»، و«باب الضجر»، و«باب الغياب».

وتمنح هذه الأبواب الكتاب بنيته الأساسية، إذ تتشكل قصائد كل باب داخل مناخ مختلف في إحساسه وإيقاعه، قبل أن تلتقي الحالات والتجارب التي تحملها النصوص في الفضاء العام للمجموعة.

وتستند فكرة الأبواب إلى أبواب بغداد التاريخية وما تختزنه من صلات بالذاكرة والمكان والتحولات. وفي «أبواب زندورد» يتحول الباب من عنصر معماري إلى مدخل شعري، تتقاطع عنده الذاكرة العامة مع التجربة الفردية، وتنفتح من خلاله النصوص على أزمنة وصور ووقائع متعددة.

عالم مستقل

يواصل الماجدي بذلك نهجاً ظهر في أعماله السابقة، إذ يحرص على منح كل إصدار شعري مناخاً خاصاً به، من حيث الموضوع وطريقة بناء النصوص والعلاقات التي تنشأ بينها، لتصبح المجموعة عملاً ذا وحدة داخلية، لا مجرد تجميع لقصائد منفصلة.

ويقع «أبواب زندورد» في 96 صفحة من القطع الكبير، فيما أنجز الفنان ناصر مؤنس تصميم الغلاف والأختام الداخلية للكتاب، في معالجة بصرية تتصل بفكرة الأبواب التي يقوم عليها البناء الشعري.

ويمثل الكتاب الإصدار الثاني عشر لعبد الرحمن الماجدي في مسيرته التي توزعت بين الشعر والترجمة والرواية.

بغداد العارية

ومن المستهل الشعري للكتاب، قصيدة «أبواب زَنْدَوَرد»:

كمْ كانَ خسرو مُسْرفاً في أُعطياتهِ يومَ أقطعَ قريةً لخَصيّهِ. سَيحارُ، خَوفَ الكُفْرِ، في نُطْقِ اسْمِها الفُقَهاءُ والخُطَباءُ بلْ حتّى النُحاة، فَغيّرَ النُسّاخُ مَبنى لفْظِها، لتكونَ دارَ الحربِ والغُلمانِ حينَ يُزاحِمونَ، تَغنّجاً، قيناِتها.

وتكونَ داراً للموالي الواقفينَ، تدافعاً، ليمرّوا من تحت السّيوفِ مُصلّبين ببابِها،

وتَكونَ مُنْحدرَ الخَليفةِ كي يَنامَ بمأمنٍ في الجانبِ الغربيِّ مِنْ حِدّاقِلَ السّاري حثيثاً، حالماً بإمارةٍ شِيدتْ على سرٍّ يُطاردهُ الملوكُ مُطارَدينَ بلَعنةِ الصّنمِ الغَضوب.

1

نواحُ أهلِ المدينةِ على أمسٍ مريرٍ، عَكّرَ لونَ الماءِ وأسّنَ فيضَه.

2

يغصُّ دجلةُ بالعَبراتِ، كَفهِرتْ جِسورَه، وأبّدتْ غمّه، مَع مَصيرِ المدينةِ المعقودِ بصياحِ الطَّيطوي، يرافقُه أنّى التفت.

مُطوّقةٌ جهاته بأبوابِ زَنْدَوَرْدَ، يتَحسّرُ عليها مَعشرُ الجنِّ في خرائبِ واسطَ.

3

كانتْ المدنُ تشبهُ النساءَ، وبغدادُ غانيةً لهثَ على صَدرِها طُغاةٌ نادرون.

سَاقاها منفرجتانِ، فتيّسرَ ماؤها للناكحينَ،

تناوبوها:

عبّاسيونَ يُرهبونَ ورثتَهم بسملِ عيونِهم اللاّمعةِ طمعاً بعرشِ السُّلالةِ، سُكارى براحٍ منهوبٍ،

فاطميّونَ يستنشقونَ في لِحاهم عِطرَ نبوةٍ مخضّبةٍ بدمٍ غزير،

بويهيّون يَنزلونَ من الجبالِ مُتنازعينَ المُلكَ في حِضنٍ يَتهتّك،

سَلاجقةٌ يتبارونَ بحرقِ قبورِ السّابقينَ تسليةً عن ضجرِ الظهيرة،

مَغولٌ يحرثونَ الأزقةَ بمخالبِهم الحديدِ فاسحينَ الطريقَ كي تنعقَ البومةُ في الخراب،

صفويّونَ يُمذهبونَ الحرثَ والنسْلَ مع الخصومِ بأرواحِ تابعينَ أبديّين،

عثمانيّونَ يتمرّنونَ بأجسادِ العامّةِ لتعلو تلولُ اللحمِ في الجوار،

انكليزٌ يُطلقونَ الحواشيَ الآدميةَ لتمهّدَ السّبيلَ،

حجازيّونَ مترددونَ في القدومِ، كأنهم ينزلونَ القبرَ المدمّى، مطوقينَ بهالةِ الندمِ،

جمهوريّون يحرفونَ القطارَ نحوَ الأراضي البُور،

قوميّون غاضبونَ من أروماتِ الجوار،

شيوعيّون ينوحونَ، حيناً، على ثورةٍ مذبوحةٍ في ركنٍ قصيٍّ من كرةِ الأرضِ، ويبتهجونَ بنصرٍ بعيد،

بعثيّون يكملونَ فتكتَهم الكبرى، مكشّرينَ عن أسنانٍ ذهبٍ، سلبوها من عابري السبيلِ،

أميركيّونَ يشيّدُون أسوارَ الغفلةِ، ويتركونها تعلو بأيدي المقوِّضين،

إسلاميون؛ معمّمونَ يتغامزونَ، متبادلينَ الألقابَ وألوانَ وتواريخَ الحُمولاتِ العائلية،

وحاسرونَ يمسحونَ العرقَ الصيفيَّ عن صلعاتِهم ووجهوهِم

بمناديلِ الغبار.

4

كلُّ من مرّ بخَيلهِ ورِجْلهِ له حصّتُهُ من اللُّهاثِ على صَدرِ بغدادَ الرطبِ.

أسوارُها تتهدمُ، بيوتُها منهوبةٌ، حَدائقها القُرعُ مرعىً مفضلٌ للهاربِ من كلابِ ودوابِ السّادَة.

مساجدُها تَنعقُ فيها غربانُ الطوائفِ، كنائسُها مسوّرةٌ بأكاليلِ الشّوكِ،

أطلالُها تئنُّ تحتَ سنابكِ الفَرهودِ، مزاراتُها استراحاتُ نخّاسينَ يبَيعونَ بالفضائحِ عرضَها المنتهك.

صَوباها يَتباريان بذبحِ الرّقابِ الطّريّة، فضجّ صغارُ براثا، في لحودِهم الضيّقةِ، من نيرانٍ يتناهبُ قُدسيتَها شبّانُ العَسسِ، وفاضتْ بئرُه حينَ هربتِ العذراءُ بعجيبتها الداميةِ، شَقّوا التمائمَ حولَ زنودهم فعثروا على طَلاسمَ مائتة.

أحرقَ الجندُ بساتينِ "كَلواذا" مُقدّمين لكبيرِهم ما لم يذقْهُ الخليفةُ و ولْدُهُ من أَبكارِها، فجفَّ نهرُ عيسى كمداً.

5

بغدادُ عاريةٌ، تُكسى بثُمالِ رغباتٍ ظّلتِ الطّريقِ.

عيّاروها هتّافونَ ودفّافونَ يضبطونَ نغماتِهم على خُطى كلِّ مالكٍ جديدٍ.

عيونُ سابلتِها مسبولةٌ، والتوّابونَ المستجدّونَ يرمّمونَ، بأَحجارِ اللغوِ، خَرابَها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات