في كل عصر، يبتكر الإنسان أدواته الخاصة لمواجهة القلق الوجودي. ولأن الأسئلة الكبرى لا تموت، فإنها تعود دائمًا بأقنعة جديدة. سؤال السعادة، وسؤال المعنى، وسؤال السيطرة على المستقبل، هي الأسئلة نفسها التي شغلت الرواقيين في أثينا، والوجوديين في باريس، وعلماء النفس في القرن العشرين. لكن هذه الأسئلة وصلت اليوم إلى فضاء مختلف تمامًا: شاشة هاتف ذكي، ومقطع فيديو لا يتجاوز ثلاثين ثانية، وخوارزمية تقترح حلولاً للحياة بين وصفة طبخ ونصيحة تجميل.
هكذا ظهرت ظاهرة "الديلولو" (Delulu)، وهي كلمة ولدت في الثقافة الرقمية قبل أن تتحول إلى ما يشبه الفلسفة الشعبية الجديدة لدى جيل "زد". بالرغم من أن المصطلح مشتق من كلمة "Delusional" الإنكليزية التي تعني "واهم" أو "مخدوع"، فإن المفارقة تكمن في أن أتباع هذا التوجه لا يرون الوهم مرضًا يجب التخلص منه، بل أداةً نفسية تساعد على العيش في عالم يزداد تعقيدًا وقسوة.
تقوم الفكرة ببساطة على الاعتقاد بأن تصور الواقع كما نرغب أن يكون قد يكون خطوة أولى نحو تحويله فعلاً إلى ذلك الواقع المرغوب. فبدلاً من التركيز على العقبات والإخفاقات، يدعو أنصار "الديلولو" إلى تبني سردية شخصية إيجابية، حتى لو بدت أحيانًا منفصلة عن الوقائع المباشرة. وكما يردد متابعو هذا الاتجاه على تيك توك: "كن واهماً، فالوهم هو الحل".
لكن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت هذه الفكرة صحيحة أو خاطئة، بل لماذا أصبحت جذابة إلى هذا الحد؟ ولماذا وجدت صدى واسعًا لدى ملايين الشباب حول العالم؟
يصعب فهم "الديلولو" بعيدًا عن السياق التاريخي والاجتماعي الذي نشأت فيه. فجيل "زد" هو أول جيل بلغ مرحلة الرشد وسط سلسلة متواصلة من الأزمات العالمية: أزمات مالية، وجائحة عالمية، وارتفاع غير مسبوق في تكاليف السكن، وتغيّر مناخي، واستقطاب سياسي، وحروب متلاحقة، وثورة ذكاء اصطناعي تهدد طبيعة العمل ومستقبل المهن.
في مثل هذا العالم، يصبح التفاؤل نفسه فعلاً من أفعال المقاومة النفسية. هنا يظهر "الديلولو" بوصفه محاولة لصناعة معنى شخصي في عالم تتآكل فيه السرديات الكبرى. لم يعد الشباب يثقون بالوعود التقليدية حول العمل والنجاح والاستقرار كما فعلت الأجيال السابقة. ولذلك فإنهم يبحثون عن أشكال جديدة من الأمل، حتى وإن جاءت في هيئة ميمات ساخرة ومقاطع فيديو قصيرة.
قد يبدو "الديلولو" للوهلة الأولى مجرد نسخة رقمية من التفكير السحري. لكن عند التعمق فيه نجد أنه يلامس إشكالية فلسفية قديمة: ما العلاقة بين الأفكار والواقع؟
كان الفيلسوف الرواقي إبكتيتوس يقول: "ليست الأشياء هي التي تزعج الناس، بل تصوراتهم عن الأشياء". وتكاد هذه العبارة تختصر جوهر الظاهرة كلها. فأنصار "الديلولو" لا يغيرون العالم مباشرة، بل يحاولون تغيير الطريقة التي ينظرون بها إليه.
وفي القرن العشرين، توصل عالم النفس الأميركي ويليام جيمس إلى فكرة مشابهة عندما كتب: "تصرّف كما لو أن ما تفعله يحدث فرقًا، فهو يحدث فرقًا بالفعل".
هنا لا يعود التفاؤل مجرد شعور عابر، بل يصبح أداة تؤثر في السلوك. فالإنسان الذي يعتقد أنه قادر على النجاح يتصرف بطريقة مختلفة عن الإنسان الذي يعتقد مسبقًا أنه سيفشل.
لكن الفارق بين هذه الرؤية وبين "الديلولو" أن الفلسفة الكلاسيكية كانت تدعو إلى التوازن بين الأمل والواقع، بينما يميل خطاب تيك توك أحيانًا إلى تجاوز الواقع بالكامل.
المثير للاهتمام أن كثيرًا من الأفكار التي تبدو جديدة اليوم ليست جديدة في الحقيقة. فالرواقيون دعوا إلى التركيز على ما يمكن السيطرة عليه وترك ما لا يمكن السيطرة عليه. والفيلسوف الفرنسي ألبير كامو دعا إلى التمرد على العبث عبر الاستمرار في الحياة بالرغم من غياب اليقين.
أما عالم النفس فيكتور فرانكل، الناجي من معسكرات الاعتقال النازية، فقد بنى نظريته العلاجية على فكرة البحث عن المعنى حتى في أكثر الظروف قسوة.
جميع هذه التيارات كانت تحاول الإجابة عن السؤال نفسه: كيف يعيش الإنسان حياة قابلة للاحتمال في عالم غير مضمون؟ لكن ما تغيّر اليوم ليس طبيعة السؤال، بل طريقة تلقي الإجابة.
فبدلاً من قراءة كتاب لنيتشه أو كامو أو فرانكل، يتلقى كثير من الشباب اليوم خلاصاتهم الفكرية عبر مقطع مدته عشرون ثانية. إنها الفلسفة بعد اختزالها إلى محتوى رقمي سريع الاستهلاك.
ربما تكمن الدلالة الأعمق لظاهرة "الديلولو" في أنها تكشف تحوّلاً جذريًا في مصادر المعرفة.
فالأجيال السابقة كانت تبحث عن الإجابات في الكتب أو الجامعات أو المؤسسات الفكرية. أما اليوم، فإن كثيرًا من الشباب يلجؤون إلى تيك توك للبحث عن النصائح النفسية والعاطفية وحتى الفلسفية.
لقد تحولت المنصة من مساحة للترفيه إلى سوق مفتوح للأفكار والاتجاهات الوجودية. وهنا تبرز مفارقة عصرنا: فبينما أصبحت المعرفة أكثر سهولة من أي وقت مضى، أصبحت أكثر اختصارًا أيضًا.
وقد حذر الفيلسوف الكوري بيونغ تشول هان من هذه الظاهرة حين رأى أن الثقافة الرقمية تدفع الإنسان إلى استهلاك المعلومات بسرعة تفقده القدرة على التأمل العميق. فالعالم الرقمي لا يشجع على التفكير الطويل بقدر ما يشجع على التدفق المستمر للانتباه.
ولهذا فإن السؤال ليس فقط: ماذا نتعلم من تيك توك؟ بل: كيف يؤثر شكل المنصة نفسها في طبيعة الأفكار التي نتبناها؟
في النهاية، قد لا تكون "الديلولو" فلسفة بالمعنى الأكاديمي الدقيق، لكنها بالتأكيد عرض ثقافي مهم يكشف الكثير عن روح العصر. إنها تعبير عن جيل يحاول استعادة الإحساس بالقدرة على الفعل في عالم يبدو خارج السيطرة. وهي تعكس حاجة إنسانية قديمة إلى الأمل، وإن اتخذ هذا الأمل شكلاً رقميًا وساخرًا ومؤقتًا.
لكن الخطر يبدأ عندما يتحول التفاؤل إلى إنكار للواقع، أو عندما يصبح الوهم بديلاً عن الفعل. فالفرق بين الأمل والوهم هو أن الأول يدفع الإنسان إلى العمل، بينما يكتفي الثاني بإعادة تخيل العالم.
وكما كتب أنطونيو غرامشي عبارة: "تشاؤم العقل وتفاؤم الإرادة"، وربما تختصر ما يحتاجه جيل اليوم أكثر من أي شعار آخر. فليس المطلوب أن ننكر صعوبة العالم، ولا أن نستسلم له، بل أن ننظر إليها بوضوح، ثم نواصل العمل بالرغم من ذلك.
وهنا تحديدًا تكمن الحكمة التي تبحث عنها البشرية منذ آلاف السنين: ليس في الوهم الكامل، ولا في الواقعية القاتمة، بل في تلك المسافة الدقيقة بين معرفة الحقيقة والإيمان بإمكانية تغييرها.


