يستخدم قادة الخليج نفوذهم المتنامي في واشنطن لدفع الرئيس ترامب بعيدًا عن نهج نتنياهو الحربي، ونحو تسوية إقليمية مرتبطة بالقضية الفلسطينية.
فيما تروّج الصحافة الغربية كثيرًا لتقارير عن تحالف ناشئ بين إسرائيل وبعض دول الخليج لضرب إيران، بما يوحي بأن الرئيس الأميركي يضغط على الرياض والدوحة في اتجاه التطبيع، فإن الواقع الجيوسياسي على الأرض يقول قصة مختلفة جذريًا.
لا تزال السعودية وقطر بعيدتين عن أي خطوات نحو التطبيع، وخصوصًا في ظل الظروف المتقلبة الراهنة. ويغذي هذا التردد استمرار الحملات العسكرية الإسرائيلية في غزة ولبنان، وتصاعد المواجهات مع إيران، واحتلال أراض سورية، ورفض إسرائيل الالتزام بحل الدولتين. وقد بدأت الإدارة الأميركية تدرك أن تحالفاتها الاستراتيجية واستثماراتها الاقتصادية في الخليج مرتبطة بمرونة إسرائيلية في القضية الفلسطينية، إلى جانب صيغة شاملة تضمن الاستقرار في لبنان وسوريا والمنطقة الأوسع.
وخلافًا للاعتقاد السائد بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نجح في دفع الرئيس دونالد ترامب نحو الحرب، تشير المؤشرات الراهنة إلى أن نتنياهو بات عاجزًا الآن عن إدارة استراتيجية خروج من هذه النزاعات. وقد أخذ الرئيس ترامب الأمور بيده. وتوحي المحادثات المكثفة والمشحونة بالاحتكاك بين الزعيمين بأن الرئيس الأميركي بدأ يدرك، ولو متأخرًا، أن نتنياهو وائتلافه اليميني المتطرف، لا دولة إسرائيل نفسها، تحولا إلى عبء استراتيجي.
وتحت ضغط داخلي، فتح الرئيس ترامب عينيه مؤخرًا على واقع جديد. فهو يصغي الآن باهتمام إلى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الذي يرى في حكومة نتنياهو العقبة الرئيسية أمام أي تسوية إقليمية، بما في ذلك ترتيبات ما بعد الحرب مع إيران عقب النزاع الذي استمر 40 يومًا. ويردد أمير قطر الرسالة نفسها، مع مواقف مشابهة تصدر عن الإمارات والكويت وعمان. كما يعكس ذلك ما يسمعه الرئيس ترامب من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، والرئيس التركي رجب طيب إردوغان، والرئيس السوري الجديد أحمد الشرع.
ترسخت في الخليج العربي قناعة عميقة بأن الحكومة الإسرائيلية الحالية تعتمد على الحرب الدائمة والقوة العسكرية بوصفهما أداتيها الأساسيتين للبقاء السياسي. وما دام هذا الائتلاف في السلطة، يعتقد قادة الخليج أنه لا يمكن توقّع أي نتائج بناءة على أي جبهة. وفي الوقت نفسه، أصبحت دول الخليج أكثر تأثيرًا بكثير في دوائر صنع القرار في واشنطن، وبات نفوذها الدبلوماسي يضاهي نفوذ إسرائيل، بل يتجاوزه أحيانًا. وكان أحد الأمثلة الواضحة على هذا التحول تدخل الرئيس ترامب لمنع نتنياهو من تدمير ضاحية بيروت، في نتيجة مباشرة لضغط دبلوماسي مكثف من السعودية وقطر ومصر.
وهنا يبرز السؤال المحوري: هل بدأت السياسة الخارجية الأميركية تتغير فعلًا، أم إن الحكومة الإسرائيلية الحالية لم تترك لواشنطن أي هامش للمناورة؟


