في الدول التي تضعف فيها المؤسسات، وتترهل فيها القوانين، وتغيب فيها معايير الكفاءة والنزاهة، لا تعود السلطة محكومة بالدستور وحده، ولا بالإرادة الشعبية، ولا حتى ببرامج الأحزاب وشعاراتها، بل تتحول تدريجيًا إلى ما يمكن تسميته بـ"جمهورية الحاشية"؛ تلك الجمهورية غير المعلنة التي لا تظهر في الخرائط، ولا تُذكر في النشرات الرسمية، لكنها تتحكم أحيانًا بما هو أخطر من القرار نفسه: تتحكم بمن يصل إلى صاحب القرار، وبما يسمعه، وبما يُحجب عنه.
الحاشية ليست ظاهرة جديدة في تاريخ الحكم، فقد عرفتها القصور القديمة، كما عرفتها الجمهوريات الحديثة بأشكال وأسماء مختلفة، لكنها في الأنظمة الضعيفة أو شبه المؤسسية تتحول من دائرة مساعدة إلى سلطة موازية، ومن طاقم إداري أو استشاري إلى شبكة مصالح، ومن وسطاء بين الحاكم والمجتمع إلى حراس أبواب يقررون من يدخل ومن يُستبعد، من يُمدح ومن يُشوَّه، من يُقرَّب ومن يُدفَع إلى الهامش.
والحاشية، في مجتمعاتنا، ليست بالضرورة ظاهرة تحيط بالرئيس أو الملك أو رئيس الحكومة وحدهم، بل هي امتداد ثقافي واجتماعي أقدم من الدولة الحديثة نفسها، فقد نشأت في فضاء القبيلة والعشيرة والوجاهة المحلية، حول الشيخ والأغا والزعيم، ثم تمددت مع الزمن إلى المجموعات السياسية والدواوين والوزارات والمؤسسات والإدارة، وصولًا إلى أعلى الهرم السلطوي، لذلك فهي ليست مجرد خلل سياسي، بل ظاهرة اجتماعية متجذرة، تقوم على ثقافة القرب من صاحب النفوذ أكثر مما تقوم على قيمة الكفاءة أو الحق أو القانون، ومن هنا نفهم كيف تتحول الحاشية إلى شبكة من "وعّاظ السلاطين"، كما وصفهم بعض المفكرين؛ أولئك الذين لا يصنعون الحقيقة، بل يزيّنونها للحاكم، ولا يحمون الدولة، بل يحمون مواقعهم على أبوابها.
خطورة الحاشية لا تكمن فقط في قربها من مركز القرار، بل في قدرتها على صناعة صورة مزيفة للواقع، فهي غالبًا لا تنقل الحقيقة كما هي، بل كما تشتهيها مصالحها، تكبّر الصغير إذا كان يخدمها، وتصغّر الكبير إذا كان يهدد نفوذها. تمدح الفاشل إن كان من دائرتها، وتطعن الناجح إن كان خارج شبكتها. وهكذا يصبح المسؤول، مهما بلغت خبرته أو نواياه، محاطًا بمرايا مشوهة لا تعكس الواقع، بل تعكس رغبات الحاشية ومخاوفها وحساباتها.
في "جمهورية الحاشية" لا تُقاس الكفاءة بما يعرفه الإنسان أو ينجزه، بل بمدى قربه من الدائرة الضيقة، لا يصبح الطريق إلى المسؤول عبر السيرة المهنية أو الخبرة أو النزاهة، بل عبر المديح والولاء الشخصي والقدرة على إتقان لغة التزلف، هناك تنمو طفيليات السياسة والإدارة: أشخاص لا يملكون مشروعًا، ولا رؤية، ولا كفاءة، لكنهم يتقنون فن التسلل إلى الهوامش القريبة من السلطة، ثم تحويل تلك الهوامش إلى مراكز نفوذ.
ومن أسوأ ما تنتجه هذه الظاهرة أنها تخلق طبقة من الوسطاء غير المنتخبين وغير الخاضعين للمحاسبة، فهم ليسوا مسؤولين رسميين أمام الشعب، ولا موظفين واضحين أمام القانون، ولا أصحاب اختصاص يمكن تقييمهم، ومع ذلك قد يكون لهم تأثير في التعيين والإقصاء والترشيح وصناعة السمعة وتشويه الخصوم وترتيب اللقاءات وتغذية المسؤول بالمعلومات الناقصة أو المسمومة، إنهم يحكمون من الظل، ويتصرفون باسم السلطة، بينما يبقى عبء الفشل على صاحب المنصب وحده.
ولأن الحاشية تعيش على القرب لا على الإنجاز، فهي تخاف من أصحاب الكفاءة أكثر مما تخاف من الخصوم، فالخصم يمكن مواجهته سياسيًا، أما الكفوء فيكشف هشاشة المتزلفين بمجرد حضوره، لذلك تسعى الحاشية دائمًا إلى إبعاد العقول المستقلة، وتشويه أصحاب الرأي، وتحويل الناصح إلى مشاكس، والمخلص إلى مزعج، والصريح إلى خطر. فهي لا تريد من يخبر المسؤول بما يجب أن يسمعه، بل من يقول له ما تحب هي أن يسمعه.
هنا تحديدًا تبدأ الكارثة السياسية، فالقرار حين يُصنع داخل دائرة ضيقة من المجاملات والمخاوف والمصالح، يفقد صلته بالمجتمع، وحين يصبح المسؤول أسيرًا لمن يصفقون له، لا لمن يواجهونه بالحقيقة، تتراكم الأخطاء الصغيرة حتى تتحول إلى أزمات كبرى، وما أكثر الدول التي لم تسقط بسبب قوة خصومها فقط، بل بسبب ضعف من أحاطوا بحكامها، وبسبب تقارير مزيفة، وولاءات كاذبة، ونصائح مدفوعة بالمصلحة لا بالحكمة.
إن بناء الدولة الحديثة لا يبدأ فقط بالدستور والانتخابات والمؤسسات، بل يبدأ أيضًا بتحرير القرار من الحواشي الطفيلية، فالمسؤول الذي يريد النجاح يحتاج إلى مستشارين لا مدّاحين، وإلى عيون ترى الواقع لا مرايا تلمّع الوهم، وإلى من يقول له: أخطأت، لا إلى من يبرر له كل خطأ باعتباره عبقرية سياسية.
في النهاية، "جمهورية الحاشية" ليست دولة داخل الدولة فحسب، بل مرض داخل السلطة والمجتمع معًا، وما لم نكسر ثقافة الحاشية من جذورها الاجتماعية الأولى، لا من مظاهرها السياسية الأخيرة فقط، ستظل الدولة الحديثة تُدار بعقلية المضيف والديوان والولاء الشخصي، لا بعقل المؤسسة والقانون والمواطنة، وحينها ستبقى الحاشية تنتج قرارات عرجاء، وتُسقط الناجحين، وترفع الهامشيين، وتحوّل الحكم من مسؤولية عامة إلى صالون مغلق، حيث تُدار الأوطان بالهمس، وتُباع الحقائق على أبواب النفوذ.

